بعين لا تبحث عن التهليل المجاني، بل عن الوقائع التي تؤكد أن المغرب يواصل التحرك في أكثر من اتجاه: تنظيم الاستحقاق الانتخابي، تعزيز حضوره الإفريقي والعربي، استقطاب الاستثمارات الصناعية، دعم المقاولات المصدرة، الاحتفاء بالكتاب والتراث، وتثبيت مكانته الرياضية عالميا.
لا أزعم أن أسبوعا واحدا يستطيع اختزال أوضاع بلد كامل، كما لا أرى أن إبراز المنجزات يقتضي تجاهل البطالة والجفاف والفوارق الاجتماعية. لكنني أؤمن أيضا بأن النقد المسؤول لا يكتمل إلا بالاعتراف بما يتحقق على أرض الواقع، وبالتقاط الإشارات الإيجابية التي يمكن البناء عليها.
السياسة: خطوات عملية نحو استحقاق انتخابي منظم
أضع في مقدمة الحصيلة السياسية تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، إلى جانب لجان إقليمية وجهوية. فقد أُسند إلى هذه اللجان تتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية، ورصد المخالفات المحتملة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حرية اختيار الناخبين ونزاهة الاقتراع، مع اعتماد التشاور مع الأحزاب السياسية خلال مرحلة الإعداد. وأرى أن القيمة الحقيقية لهذه الآلية ستقاس بمدى صرامتها وحيادها وقدرتها على التدخل السريع كلما ظهرت ممارسات تمس تكافؤ الفرص.
وفي الاتجاه نفسه، شهد الأسبوع إجراء القرعة الخاصة باستعمال الأحزاب السياسية لوسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية خلال الحملة الانتخابية. وشملت العملية 27 حزبا، جرى توزيعها على ثلاث فئات بحسب تمثيلها البرلماني، مع تخصيص مدد زمنية لكل فئة وتنظيم حضور الأحزاب في نشرات الأخبار وتغطية تجمعاتها. أقرأ هذه الخطوة باعتبارها محاولة لضبط التنافس الإعلامي بقواعد معلنة، غير أنني أرى أن نجاحها سيظل مرتبطا بجودة النقاش السياسي، لا بعدد الدقائق الممنوحة وحده.
أما خارج الحدود، فقد سجل المغرب مكسبا دبلوماسيا واستراتيجيا مهما بعد توقيع دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الاتفاق الحكومي المنظم لتطوير أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، وهو مشروع يمتد لنحو 6800 كيلومتر. وأفادت المعطيات المنشورة بأن الدراسات التقنية والبيئية والهندسية الأساسية أُنجزت، على أن توجد شركة المشروع في الدار البيضاء وهيئة حكامته في أبوجا. ما يهمني في هذا المشروع أنه تجاوز منطق المبادرة الثنائية ليصبح مشروعا تتبناه دول غرب إفريقيا، بما يعزز موقع المغرب شريكا في الاندماج الاقتصادي والأمن الطاقي للقارة.
كما احتضنت مدينة سلا الاجتماع التأسيسي للاتحاد العربي للطاقة والمعادن، وانتُخب المغرب بالإجماع لرئاسة المؤسسة الجديدة، مع اختيار الدار البيضاء مقرا لها. لا أتعامل مع اختيار المقر باعتباره تفصيلا بروتوكوليا؛ فهو يعكس ثقة في قدرة المغرب على استضافة مؤسسات إقليمية تهتم بالطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات المعدنية والاستثمار ونقل التكنولوجيا.
الاقتصاد: أرقام مشجعة واستثمارات صناعية ذات قيمة مضافة
اقتصاديا، حمل الأسبوع تقديم التقرير السنوي لبنك المغرب عن الوضع الاقتصادي والنقدي والمالي لسنة 2025. وقد أظهر التقرير بلوغ النمو الاقتصادي 4.9 في المائة، مع بقاء معدل التضخم في حدود 0.8 في المائة، وتراجع عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وارتفاع الاحتياطيات الرسمية إلى 443 مليار درهم، بما يعادل نحو خمسة أشهر ونصف من الواردات. بالنسبة إلي، تمنح هذه المؤشرات صورة عن تحسن التوازنات الكبرى، وإن كان التقرير نفسه قد نبه إلى أن خلق الوظائف ظل غير كاف لخفض البطالة بصورة ملموسة.
وعززت المندوبية السامية للتخطيط هذه الصورة بتوقع نمو الطلب الداخلي بنسبة 5.9 في المائة خلال 2026، مدعوما باستهلاك الأسر والاستثمار العمومي والخاص. كما توقعت ارتفاع الاستثمار الإجمالي بنسبة 9.5 في المائة، مستفيدا من مشاريع البنيات التحتية والاستعداد للتظاهرات الدولية. أرى في قوة الطلب الداخلي عنصر استقرار مهم، لأنه يقلل نسبيا من ارتهان الاقتصاد الكامل بالتقلبات الخارجية، لكنه يتطلب في المقابل حماية القدرة الشرائية وضبط الأسعار.
أما البنك الدولي، فقد توقع نموا بنسبة 4.2 في المائة سنة 2026 بعد الأداء القوي المسجل في 2025. ورغم أن النسبة تعني تباطؤا حسابيا، فإنها تظل إيجابية في سياق دولي مضطرب، خصوصا أن المؤسسة أشارت إلى استمرار الزخم الاستثماري وتحسن الطلب الداخلي وصلابة الأسس الاقتصادية الكلية، مع التحذير من مخاطر الجفاف وارتفاع تكاليف الطاقة.
وجاء الخبر الصناعي الأبرز من البنك الإفريقي للتنمية، الذي وافق على قرض بقيمة 100 مليون يورو للمساهمة في تمويل أول مصنع إفريقي عملاق ومتكامل لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم بالمغرب. كما أعلن البنك عزمه تعبئة ما يصل إلى 141 مليون يورو إضافية من شركاء ماليين. ومن شأن المصنع، الذي تقوده مجموعة «غوشن للتكنولوجيا المتقدمة»، أن ينتج البطاريات ومكوناتها الأساسية للتصدير، خصوصا نحو السوق الأوروبية. أعتبر هذا المشروع دليلا على انتقال المغرب تدريجيا من صناعة السيارات التقليدية إلى حلقات أكثر تقدما داخل صناعة المركبات الكهربائية.
وسجل قطاع الطيران بدوره تطورا لافتا خلال معرض فارنبورو الدولي، بعد توقيع اتفاق يرمي إلى استقرار فرع تابع للمجموعة الأمريكية «كيرتيس رايت» بالمغرب. ويضم قطاع الطيران المغربي أكثر من 155 شركة، ويوفر أكثر من 25 ألف وظيفة، ويحقق صادرات تفوق ثلاثة مليارات دولار، بنسبة إدماج محلي تبلغ 42 في المائة ومعدل نمو سنوي متوسط يناهز 17 في المائة. وأرى في هذه الأرقام حصيلة مسار صناعي طويل، لا نتيجة حملة ترويجية عابرة.
ولم تقتصر الحركية الاقتصادية على الاستثمارات الكبرى؛ إذ وافقت لجنة قيادة برنامج دعم التصدير على نحو مائة طلب لمقاولات وتعاونيات مغربية من أصل 435 ملفا. ويستهدف البرنامج مواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، سواء كانت مصدرة بالفعل أو تستعد لدخول الأسواق الخارجية، في قطاعات تشمل الصناعات الغذائية والنسيج والصناعات الكيميائية وشبه الكيميائية. هذه الخطوة تهمني لأنها تقرب سياسة التصدير من المقاولات الصغيرة، بدل حصرها في المجموعات الصناعية الكبرى.
الثقافة: الكتاب والتراث يلتقيان في أسبوع واحد
في المجال الثقافي، استوقفتني مراسم تسليم جوائز المغرب للكتاب في دورتها السادسة والخمسين. فقد تنافست 162 مؤلفا في الشعر والسرد والعلوم الإنسانية والدراسات الأدبية والفنية واللغوية والترجمة والثقافة والأدب الأمازيغيين وأدب الأطفال واليافعين. وشملت قائمة الفائزين أسماء مثل مخلص الصغير ومنير السرحاني وأنيس الرافعي وجمال بندحمان وجمال أبرنوص وفاطمة الشبلي وصلاح آيت صالح. وأرى أن استمرار هذه الجائزة وتعدد لغاتها وأجناسها يمثلان اعترافا مؤسسيا بالكاتب المغربي وبالتنوع الثقافي للمملكة.
ولا تقل أهمية عن الكتاب عودة الثقافة الشفوية إلى الواجهة من خلال الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني للعيطة بمدينة آسفي. فقد جمع المهرجان رواد مدارس العيطة ومواهب شابة، واحتفى بفنانين أسهموا في حفظ هذا الفن الشعبي ونقله. بالنسبة إلي، لا تمثل العيطة مجرد فرجة موسمية، بل وثيقة حية تختزن الذاكرة الاجتماعية المغربية، من الحب والفقد إلى المقاومة والارتباط بالأرض.
وفي أكادير، انعقدت الدورة الحادية والعشرون لمهرجان «تيميتار، علامات وثقافات» بين 23 و25 يوليوز، بمشاركة فنانين أمازيغ ومغاربة وعرب وأفارقة ودوليين. وما يعجبني في هذا المهرجان أنه لا يقدم الثقافة الأمازيغية بوصفها تراثا مغلقا، بل يجعلها في حوار موسيقي مفتوح مع ثقافات العالم.
أما تندرارة، فقد استضافت الدورة السادسة لمهرجان الرحل «مجال بني كيل»، الذي احتفى بالحياة البدوية والتبوريدة والأزياء التقليدية وفنون الطبخ والصناعة اليدوية. أقرأ هذه التظاهرات باعتبارها شكلا من أشكال العدالة الثقافية والمجالية؛ فالثقافة المغربية ليست حكرا على الرباط والدار البيضاء ومراكش، بل تمتد إلى آسفي وأكادير وفكيك والقرى والواحات والمناطق الحدودية.
الرياضة: المغرب سادس العالم والكرة النسوية تتقدم
رياضيا، أضع في صدارة أخبار الأسبوع وصول المنتخب الوطني المغربي إلى المرتبة السادسة عالميا في التصنيف الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم الصادر في 20 يوليوز 2026، وهو أفضل ترتيب يبلغه المغرب في تاريخه. لا أعتبر هذا التصنيف مكافأة عاطفية، بل نتيجة تراكم في التكوين والبنية التحتية واستقطاب الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج والاستمرارية في المنافسات الكبرى. كما وصف رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، وصول المغرب إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 بأنه مصدر فخر للكرة الإفريقية، معتبرا أن الأداء المغربي يعزز الاعتراف الدولي بتطور كرة القدم في القارة. ورغم توقف المسار عند ربع النهائي، فإنني أراه تأكيدا على أن إنجاز مونديال قطر 2022 لم يكن لحظة معزولة، بل بداية تثبيت المغرب ضمن المنتخبات القادرة على المنافسة في الأدوار المتقدمة.
ولم تقتصر الإشارات الإيجابية على منتخب الرجال؛ فقد توج المنتخب المغربي النسوي لأقل من 17 سنة بدوري اتحاد شمال إفريقيا في تونس، بعد تصدره الترتيب بسبع نقاط، واختتام مشاركته بالفوز على المنتخب التونسي بأربعة أهداف نظيفة. هذا التتويج مهم في نظري لأنه يبرهن على اتساع قاعدة كرة القدم النسوية، وعلى أن الاستثمار في الفئات الصغرى بدأ يمنح نتائج ملموسة.
حصيلة أسبوع ومسار وطن
أخرج من هذه الحصيلة بقناعة مفادها أن الصورة الإيجابية للمغرب لا يصنعها خبر واحد ولا مباراة واحدة ولا نسبة نمو منفردة. إنها تتكون من اجتماع السياسة المنظمة بالاقتصاد المنتج، ومن اتصال الصناعة بالثقافة، ومن انتقال النجاح الرياضي من المنتخب الأول إلى فرق الفتيات والفئات الصغرى.
أرى مغربا يتحرك، ينجح في ملفات، ويتعثر في أخرى، لكنه يمتلك عناصر قوة واضحة: الاستقرار المؤسساتي، الموقع الجغرافي، البنيات التحتية، التعدد الثقافي، الرأسمال البشري، والحضور الإفريقي المتنامي. والتحدي الذي أضعه أمام هذه الحصيلة المتفائلة هو تحويل الأرقام والمشاريع والانتصارات إلى أثر يلمسه المواطن في العمل والتعليم والصحة والنقل وجودة الحياة.
فالإيجابية التي أؤمن بها ليست خطابا يكتفي بالتصفيق، بل ثقة نقدية ترى الإنجاز وتحميه، وترى النقص وتطالب بإصلاحه. وقد كان الأسبوع الماضي، في تقديري، أسبوعا مغربيا جديرا بالتسجيل: انتخابات يجري تحصينها، واستثمارات صناعية جديدة، ومقاولات تتجه نحو التصدير، وكتاب وفنانون يحتفى بهم، ومنتخبات ترفع الراية الوطنية في أعلى المراتب.








0 التعليقات:
إرسال تعليق