لا أتعامل مع إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب على الطريق مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، أو لوحة معدنية جديدة ستُثبَّت عند مدخل محور طرقي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر. أرى في هذه التسمية، قبل كل شيء، حدثًا سياسيًا ورمزيًا تتقاطع داخله قضية الصحراء المغربية، والتحالف التاريخي بين الرباط وواشنطن، والدبلوماسية الشخصية، ورهانات المغرب الأطلسية والإفريقية.
في السادس والعشرين من يوليو 2026، نشر دونالد ترامب على حسابه الرسمي في منصة «تروث سوشال» مقطعًا مصورًا يقدّم الطريق تحت اسم «طريق الرئيس دونالد ج. ترامب»، مرفقًا بعبارة تصفه بأنه «طريق السلام من أجل الازدهار». وشكر ترامب الملك محمد السادس، معتبرًا إطلاق اسمه على هذا المحور «شرفًا عظيمًا»، ومعربًا عن أمله في أن يزور المغرب ويسافر يومًا عبر الطريق بكامل امتداده. لدقة الصحافية تفرض عليّ تسجيل ملاحظة أساسية: إلى حدود الساعات الأولى التي أعقبت نشر الفيديو، لم تكن جهة حكومية مغربية قد أصدرت بلاغًا مؤسساتيًا تفصيليًا يحدد السند القانوني والإداري للتسمية أو موعد دخولها الرسمي حيز التنفيذ. وقد أشارت تغطية «لوديسك» إلى أن اسم «طريق الرئيس دونالد ج. ترامب» ظهر داخل الفيديو المرفق بمنشور الرئيس الأمريكي، بينما ظل المحور معروفًا رسميًا باسم الطريق السريع تزنيت–الداخلة أو مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم واحد. احظة لا تلغي أهمية الحدث، لكنها تدعوني إلى الفصل بين قوة الإشارة السياسية وبين المسطرة المؤسساتية التي يفترض أن تجعل التسمية نهائية ورسمية.
اعتراف سياسي يتحول إلى ذاكرة على الأرض
أول ما أقرأه في هذه التسمية هو أنها رد رمزي مغربي على القرار الذي اتخذه دونالد ترامب في ديسمبر 2020، عندما أصدر إعلانًا رئاسيًا تعترف بموجبه الولايات المتحدة بسيادة المملكة المغربية على كامل تراب الصحراء، وتدعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسًا جديًا وواقعيًا لتسوية النزاع.
لم يكن ذلك الإعلان مجرد تصريح صحافي أو موقف انتخابي، بل وثيقة رئاسية أمريكية أكدت أن الولايات المتحدة تعتبر الصحراء جزءًا من المملكة المغربية، ودعت إلى اعتماد الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أساسًا للمفاوضات. كما تضمّن الإعلان توجهًا إلى تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارات في المنطقة. ترامب، بعد عودته إلى الرئاسة، هذا الموقف في رسالة إلى الملك محمد السادس سنة 2025، مؤكدًا استمرار اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم. أن إطلاق اسمه على الطريق ليس تكريمًا لشخص الرئيس الأمريكي فحسب، بل هو تخليد للحظة دبلوماسية أحدثت تحولًا عميقًا في مسار قضية الصحراء. فالسياسة الخارجية لا تُحفظ فقط في الأرشيفات والمعاهدات، وإنما قد تتحول أحيانًا إلى جسور وموانئ وطرقات تحمل ذاكرة القرارات الكبرى.
لقد ارتبط اسم ترامب، في الوعي السياسي المغربي، بقرار اعتراف أمريكي طال انتظاره. ومن هذه الزاوية، يصبح وضع اسمه على الطريق الرابط بين تزنيت والداخلة نوعًا من تحويل الاعتراف السياسي إلى علامة جغرافية دائمة.
السيادة لا تُرسم على الخرائط فقط
أرى كذلك أن اختيار هذا الطريق بالتحديد لم يكن اعتباطيًا. فالمشروع يمتد على نحو 1055 كيلومترًا، ويقوم على تثنية وتوسيع الطريق الوطنية رقم واحد، رابطًا تزنيت بالداخلة مرورًا بكبرى مدن الأقاليم الجنوبية. وتتراوح كلفته المعلنة، بحسب المصادر الرسمية والإعلامية، بين تسعة وعشرة مليارات درهم تقريبًا. يق ليس ممرًا تقنيًا لنقل السيارات والشاحنات فقط. إنه شريان ترابي واقتصادي يربط شمال المملكة بجنوبها، ويقلص المسافات، وييسر انتقال الأشخاص والسلع، ويعزز اندماج الأقاليم الجنوبية داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
ومن وجهة نظري، تمارس الدول سيادتها عبر الإدارة والمؤسسات، لكنها تثبتها أيضًا عبر التنمية والربط الطرقي وتوفير الخدمات وخلق فرص الاستثمار. فالطريق الذي يعبر الصحراء لا يكتفي بوصل المدن بعضها ببعض، بل يحول الوحدة الترابية من مفهوم سياسي وقانوني إلى تجربة يومية يعيشها المواطن والمسافر والمستثمر.
وعندما يحمل هذا المحور اسم الرئيس الأمريكي الذي وقّع قرار الاعتراف بالسيادة المغربية، فإن التسمية تكتسب بعدًا إضافيًا: تصبح الطريق شهادة مادية على التقاء الدبلوماسية بالتنمية، وعلى انتقال الموقف الأمريكي من نص رئاسي مؤرخ في ديسمبر 2020 إلى رمز محفور في المجال الترابي المغربي.
رسالة موجهة إلى خصوم الوحدة الترابية
لا أستطيع فصل هذه المبادرة عن الصراع السياسي والدبلوماسي المحيط بقضية الصحراء. فالطريق يعبر المجال الذي ظل لعقود موضوع نزاع إقليمي، ويحمل اسم رئيس دولة عظمى اعترفت صراحة بالسيادة المغربية عليه.
الرسالة هنا واضحة في تقديري: المغرب لا ينتظر نهاية النزاع حتى يطور أقاليمه الجنوبية، ولا يتعامل معها باعتبارها منطقة معلقة أو مؤقتة، بل يدمجها في مشاريعه الكبرى ويجعلها بوابة لانفتاحه على إفريقيا والمحيط الأطلسي.
كما تحمل التسمية رسالة إلى الأطراف التي راهنت طويلًا على إمكانية التراجع الأمريكي عن قرار 2020. فربط اسم ترامب بطريق استراتيجي يمتد إلى الداخلة يعيد إبراز الاعتراف الأمريكي ويمنحه حضورًا إعلاميًا وجغرافيًا جديدًا، خصوصًا بعدما جددت الإدارة الأمريكية في 2025 تمسكها بالموقف نفسه وباعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الواقعي للنزاع. تقد أن قوة هذه الرسالة لا ينبغي أن تُقاس بما تثيره من غضب لدى الخصوم، بل بما تفتحه من آفاق للاستثمار والتنمية والاستقرار. فالانتصار الدبلوماسي الحقيقي لا يكتمل بالرموز وحدها، وإنما بتحويل الاعترافات الدولية إلى مشاريع اقتصادية وفرص شغل وتحسن ملموس في حياة سكان الأقاليم الجنوبية.
من طريق وطني إلى محور أطلسي إفريقي
البعد الاقتصادي في هذه التسمية لا يقل أهمية عن بعدها السياسي. فالطريق الرابط بين تزنيت والداخلة يمثل حلقة أساسية في الرؤية المغربية الرامية إلى جعل الواجهة الأطلسية الجنوبية فضاءً للتجارة والاستثمار والتواصل مع إفريقيا.
وينتظر أن يرتبط هذا المحور بميناء الداخلة الأطلسي، بما يسمح بإنشاء سلسلة لوجستية تمتد من الموانئ إلى الطرق والأسواق الإفريقية. كما تتقاطع وظيفته مع المبادرة الأطلسية المغربية الموجهة إلى دول الساحل، والتي تقوم على تسهيل وصول هذه الدول إلى المحيط الأطلسي وتعزيز اندماجها في المبادلات الإقليمية والدولية. أقرأ عبارة «طريق السلام من أجل الازدهار» الواردة في الفيديو بوصفها شعارًا دعائيًا فقط. الطريق يمكن فعلًا أن يصبح أداة للسلام إذا تحول إلى ممر للتجارة والتنمية والتعاون بدل أن يبقى المجال الصحراوي رهينة التوترات الحدودية والنزاعات الموروثة.
إن المغرب، من خلال هذا المشروع، يقدم تصورًا للصحراء باعتبارها فضاءً للربط لا للفصل، وجسرًا بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، وليس منطقة هامشية محكومة بالانتظار. وهذه الرؤية هي في جوهرها نقيض الأطروحات التي تتعامل مع الصحراء باعتبارها مجرد ملف سياسي منفصل عن التنمية ومصالح السكان.
امتداد لعلاقة تاريخية استثنائية
تحمل التسمية أيضًا بعدًا تاريخيًا يتجاوز مرحلة ترامب نفسها. فالعلاقة بين المغرب والولايات المتحدة تعود إلى بدايات الجمهورية الأمريكية. وتؤكد المصادر الدبلوماسية الأمريكية أن المغرب كان أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، وأن البلدين وقعا معاهدة السلام والصداقة سنة 1786، وهي من أقدم العلاقات والمعاهدات الأمريكية المستمرة دون انقطاع. يمكن النظر إلى الطريق الجديد باعتباره فصلًا معاصرًا في علاقة عمرها نحو قرنين ونصف. فقد بدأت العلاقة بالاعتراف المغربي بالدولة الأمريكية الناشئة، ثم مرت بالتعاون العسكري والأمني والاقتصادي، ووصلت في سنة 2020 إلى الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه.
كأننا أمام دائرة تاريخية رمزية: المغرب الذي منح الجمهورية الأمريكية اعترافًا مبكرًا، يكرم اليوم رئيسًا أمريكيًا منح المغرب اعترافًا حاسمًا في إحدى أهم قضاياه الوطنية.
دبلوماسية الرموز وحدود الشخصنة
مع ذلك، لا يمنعني تقديري لأهمية القرار من طرح بعض الأسئلة. فتسمية مشروع وطني ضخم باسم رئيس أجنبي ما زال في السلطة تقتضي وضوحًا مؤسساتيًا وقانونيًا، لأن الطرق الكبرى تنتمي إلى الذاكرة الوطنية الدائمة، بينما الرؤساء والسياسات والإدارات تتغير.
كما أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وإن ارتبط تاريخيًا بقرار ترامب وشجاعته السياسية، أصبح موقفًا رسميًا للدولة الأمريكية، وليس مجرد موقف شخصي قابل للاختزال في فرد واحد. ولهذا ينبغي أن يظل التكريم جزءًا من علاقة متوازنة بين دولتين، لا أن يتحول إلى مبالغة في شخصنة التحالف.
فالصداقات الدولية تقوم على المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة، ولا تقوم على الامتنان وحده. والمغرب بلد ذو تقاليد دبلوماسية عريقة، قادر على تكريم أصدقائه من موقع الثقة والندية، مع الحفاظ على رمزية مؤسساته وشخصيته الوطنية.
وأرى أن أفضل طريقة لمنح اسم ترامب معنى تاريخيًا دائمًا هي أن ترافق التسمية التزامات أمريكية عملية: استثمارات في الداخلة والعيون، حضور اقتصادي للشركات الأمريكية، دعم مشروعات الطاقة المتجددة والصيد البحري والسياحة والبنيات اللوجستية، وتشجيع التعاون مع الأقاليم الجنوبية بوصفها جزءًا من التراب المغربي.
طريق يحمل أكثر من اسم
في النهاية، أرى أن الطريق الممتد من تزنيت إلى الداخلة سيحمل، بصرف النظر عن الاسم المثبت على لوحاته، عدة دلالات في وقت واحد. إنه طريق الوحدة الترابية، وطريق التنمية الجنوبية، وطريق الانفتاح الأطلسي، وطريق الشراكة المغربية الأمريكية.
أما اسم دونالد ترامب، فهو يضع فوق هذا الإسفلت ذاكرة القرار الأمريكي الصادر سنة 2020، ويذكر بأن بعض المواقف السياسية لا تنتهي بانتهاء المؤتمر الصحافي أو تغير الإدارة، بل قد تصبح جزءًا من الجغرافيا ومن الحياة اليومية للناس.
ومع ذلك، سيظل الحكم الحقيقي على هذه المبادرة مرتبطًا بما سيجري فوق الطريق، لا بما سيكتب على لوحاته: حجم الاستثمارات التي سيجلبها، وعدد فرص العمل التي سيخلقها، ومدى مساهمته في تحسين حياة سكان الجنوب، وقدرته على وصل المغرب بعمقه الإفريقي.
عندئذ فقط سيصبح «طريق الرئيس دونالد ج. ترامب» أكثر من تكريم دبلوماسي. سيغدو ترجمةً ملموسة لتحالف سياسي، وجسرًا بين الاعتراف والسيادة، وممرًا من ذاكرة القرار إلى مستقبل الازدهار.







0 التعليقات:
إرسال تعليق