تتسع مكتبة الكتاب الإلكتروني العربي بصورة متسارعة، ولم تعد القراءة الرقمية تقتصر على نسخ قديمة مجهولة المصدر أو ملفات مصورة رديئة الجودة، بل أصبحت جزءاً من خطط النشر الرسمية لدى دور عربية كثيرة. فالكتاب يصدر ورقياً، ثم ينتقل إلى تطبيقات القراءة بنسخة قانونية، مصحوبة ببيانات المؤلف والناشر وعدد الصفحات والرقم الدولي، بما يتيح للقارئ الوصول إليه من الهاتف أو اللوح الإلكتروني في بلدان قد لا تصل إليها النسخة الورقية.
وترصد هذه الحصيلة أبرز الكتب العربية والمترجمة إلى العربية التي ظهرت ضمن الإضافات الرقمية الجديدة في الأسبوع الأخير من يوليو 2026. ويجب هنا التمييز بين كتاب صدر حديثاً في أصله الورقي والرقمي، وكتاب سبق صدوره ورقياً ثم أُتيح إلكترونياً خلال الأيام الماضية. فقوائم الإضافات الجديدة تضم كتباً منشورة سنة 2026، إلى جانب عناوين أقدم استعادت حضورها بعد انتقالها إلى المكتبة الرقمية. وتعلن منصة «أبجد» أنها تضيف قرابة ستمائة عنوان كل شهر، وتخصص قائمة متجددة لما تسميه «الكتب الجديدة لهذا الأسبوع».
«الليل مع فاطيما»… فلسطين داخل رواية عن الغربة والذنب
تتصدر الإضافات الروائية الجديدة رواية «الليل مع فاطيما» للكاتبة بريهان أحمد، الصادرة عن دار المحرر للنشر والتوزيع، والمكونة من 452 صفحة.
تدور الرواية حول سامر، وهو رجل يعيش تمزقاً داخلياً بين الغربة والشعور بالذنب والنزوات الشخصية، قبل أن تدخل حياته فاطيما، الفتاة الفلسطينية التي تحوله من مراقب بعيد للأحداث إلى طرف داخل ملفات سياسية وإنسانية شديدة الخطورة. وتتقاطع حكايته معها مع عمله الإعلامي ومع قضايا تتصل بالهوية الفلسطينية والاغتراب ومقابر الأرقام وتجارة الأعضاء واستغلال الفئات الهشة.
لا تتعامل الرواية مع القضية الفلسطينية باعتبارها خلفية سياسية للحبكة، بل تربط المأساة العامة بالمصائر الفردية. فالجسد والذاكرة والمنفى والخوف من الاختفاء تتحول كلها إلى عناصر داخل البناء الروائي، بينما تمثل فاطيما ذاكرة شعب لا يستطيع الراوي الاقتراب منها من دون أن يراجع أوهامه وخياراته.
صدرت الرواية سنة 2026، وتحمل الرقم الدولي 9789778842746، وظهرت خلال الأيام الأخيرة ضمن الكتب المتاحة للقراءة الإلكترونية. وقد سبق تقديمها ورقياً في فعاليات ثقافية مصرية خلال مايو 2026، قبل أن تتسع دائرة وصولها عبر المنصة الرقمية.
«مادريجال الليل»… الموسيقى والجريمة في سرد متعدد الأزمنة
يقدم الكاتب ولاء كمال في روايته «مادريجال الليل» تجربة تجمع بين الرواية النفسية والفلسفة والتاريخ والموسيقى. صدرت الرواية عن الدار المصرية اللبنانية سنة 2026، وتقع في 184 صفحة، وتحمل الرقم الدولي 9789777955881.
تتحرك الرواية بين مسارين زمنيين. يتابع الأول راوياً يعاني الأرق والخوف من انهيار العالم، ويمضي ليلة غريبة في محطة وقود تتحول إلى فضاء للاعتراف والتأمل. أما المسار الثاني فينقل القارئ إلى إيطاليا في القرن السادس عشر، حيث تظهر حكاية مؤلف موسيقي عبقري ارتبط اسمه بسلسلة من الجرائم والوقائع الغامضة.
ويشير عنوان الرواية إلى «المادريجال»، وهو بناء موسيقي يقوم على تعدد الأصوات وتفاعلها. وتستفيد الرواية من هذا البناء عبر المزاوجة بين أصوات وأزمنة وشخصيات تبدو متباعدة، قبل أن يجمعها الليل باعتباره زمناً للخوف وكشف الأسرار. وكانت النسخة الورقية قد ظهرت في يناير 2026، فيما انضمت النسخة الإلكترونية إلى الإضافات الرقمية الحديثة.
«الوارث»… الفانتازيا العربية تستعيد كتاب «العزيف»
ومن الدار المصرية اللبنانية أيضاً تأتي رواية «الوارث» للكاتب أحمد عثمان، وهي عمل طويل يقع في 520 صفحة ويحمل الرقم الدولي 9789777955843.
تمزج الرواية بين الرعب والفانتازيا التاريخية والجريمة والتشويق النفسي. وتبني حبكتها حول أسطورة عبد الله الحظرد وكتاب «العزيف»، الذي يُقال إن صاحبه نجح قبل مقتله في حبس أحد الجان بين صفحاته. وبعد مرور قرون، يتحول الكتاب المفقود إلى محور لصراع بين ثلاث عائلات تسعى إلى امتلاكه والوصول إلى أسراره.
تستفيد الرواية من القاهرة الفاطمية والأساطير العربية وعالم السحر واللعنات، لكنها لا تكتفي بإعادة إنتاج نماذج الرعب الغربية. إنها تحاول تأسيس فضائها الخاص انطلاقاً من المخزون الحكائي العربي، ومن العلاقة القديمة بين المخطوط المحرم والسلطة والرغبة في امتلاك المعرفة.
صدرت الرواية ورقياً بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 2026، ثم ظهرت إلكترونياً ضمن الإضافات الجديدة، وهو ما يمنح العمل، بحجمه الكبير، فرصة للوصول إلى جمهور روايات الرعب والخيال عبر الهاتف وأجهزة القراءة.
«تكساس: حدوتة مصركانية»… هوية المهاجر بين وطنين
تعالج رواية «تكساس: حدوتة مصركانية» للكاتب فكري أندراوس قضايا الهجرة والهوية والاندماج الثقافي. صدرت الرواية عن دار الثقافة الجديدة سنة 2026، وتقع في 196 صفحة، وتحمل الرقم الدولي 9789772213566.
يجمع العنوان نفسه بين مصر وأمريكا، ويقترح كلمة «مصركانية» للتعبير عن هوية هجينة لا تنتمي بالكامل إلى مكان واحد. وتتنقل الحكاية بين مصر بما تحمله من ذكريات وعلاقات وتقاليد، وولاية تكساس بما تمثله من فرص مهنية ومسافات ثقافية واختبارات يومية للوافد الجديد.
لا تقدم الرواية الهجرة باعتبارها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفها عملية طويلة لإعادة تعريف الذات. فالمهاجر يحمل وطنه في اللغة والطعام والعادات والذاكرة، لكنه يضطر في الوقت نفسه إلى تعلم قواعد المجتمع الجديد والتفاعل معه.
تمنح الإتاحة الإلكترونية هذه الرواية دلالة إضافية؛ فكتاب يتناول حياة المهاجرين يصبح متاحاً فوراً للقراء المقيمين خارج العالم العربي، من دون انتظار شحن النسخة الورقية أو توفرها في مكتبات المهجر.
«خارج الزمن المكسور»… القصص القصيرة تستعيد الخيال والرمز
في المجموعة القصصية «خارج الزمن المكسور»، تكتب رانيا الشوكاني عالماً تتداخل فيه الذاكرة بالخيال، ويتحول فيه الجماد والظل والمرآة إلى عناصر مشاركة في بناء الحكاية.
صدرت المجموعة عن ببلومانيا للنشر والتوزيع سنة 2026، وتقع في 110 صفحات، وتحمل الرقم الدولي 9789779945635. وتتناول قصصها الخوف والخذلان والذنب والحرية والرغبة في النجاة، مع اعتماد واضح على الرمز والمشهد الغرائبي والأسئلة المتعلقة بالزمن والحقيقة.
تبدو المجموعة مناسبة لطبيعة القراءة الرقمية؛ فالقصة القصيرة تتيح للقارئ قراءة نص كامل خلال جلسة واحدة، وتنسجم مع إيقاع الحياة اليومية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن العمق أو التأويل. ويؤكد حضورها في قوائم الإضافات الجديدة أن المنصات لا تراهن على الرواية وحدها، بل تفتح مجالاً كذلك للمجموعات القصصية التي تعاني عادة ضعف التوزيع الورقي.
«إلى السيدة راء»… رسائل تبحث عن مأوى إلكتروني
ينتمي كتاب «إلى السيدة راء» لعلاء أبو شحاتة إلى أدب المراسلات والنصوص الوجدانية. صدر عن دار زحمة كتاب للنشر والتوزيع سنة 2026، ويقع في 196 صفحة، ويحمل الرقم الدولي 9789778355574.
يقوم العمل على رسائل تتوزع بين الحنين والاشتياق والاعتراف واستعادة البدايات. وتمنح صيغة الرسالة الكاتب مساحة للحديث المباشر، بعيداً عن تعقيدات الراوي وبناء الشخصيات الروائية التقليدية. فالمتلقي المسمى بالحرف «راء» يظل حاضراً وغائباً في آن واحد، معروفاً لدى الكاتب ومفتوحاً على تأويل القارئ.
يحمل انتقال أدب الرسائل إلى الشاشة مفارقة لافتة؛ فالرسالة التي ارتبطت تاريخياً بالورق والخط اليدوي والطابع البريدي أصبحت تُقرأ اليوم على هاتف ذكي. غير أن جوهرها يظل واحداً: محاولة قول ما تعجز المحادثة المباشرة عن قوله.
«العمارة العاطفية»… المباني بوصفها رسائل حب
يجمع كتاب «العمارة العاطفية: حكايات مبان شُيّدت من أجل الحب» لأحمد إبراهيم عبد العزيز بين التاريخ والعمارة والسرد الثقافي. صدر عن المصري للنشر والتوزيع سنة 2026، ويقع في 294 صفحة، ويحمل الرقم الدولي 9789777703178.
ينطلق الكتاب من فكرة أن المباني لا تنتج دائماً عن الضرورات الوظيفية أو استعراض القوة السياسية والاقتصادية، بل قد تنشأ كذلك من الحب والوفاء والفقد والرغبة في تخليد شخص أو ذكرى. ولا يكتفي المؤلف باستحضار تاج محل، بل يتتبع منشآت من حضارات مختلفة ارتبطت بقصص عاطفية وإنسانية.
ويعيد الكتاب قراءة الحجر والزخرفة والفضاء المعماري باعتبارها لغة صامتة. فالمبنى يمكن أن يكون رسالة ممتدة عبر القرون، والعمارة قد تحفظ من المشاعر ما لا تستطيع الوثائق المكتوبة الاحتفاظ به. ويمنح الإصدار الإلكتروني القارئ مدخلاً إلى مجال معرفي يجمع بين الأدب والفن والهندسة والتاريخ.
«القراءة الذكية في زمن التشتت»… كتاب رقمي ينتقد التشتت الرقمي
يحمل كتاب صبحي سالم «القراءة الذكية في زمن التشتت: كيف تجد كتاباً يغيّرك؟» مفارقة تستحق الانتباه؛ فهو كتاب إلكتروني يناقش الآثار التي أحدثتها الهواتف وشبكات التواصل والمحتويات السريعة في التركيز والقراءة العميقة.
صدر الكتاب عن وكالة الصحافة العربية سنة 2026، ويقع في 163 صفحة، ويحمل الرقم الدولي 9786338469177. ويفرق بين المرور السريع على النصوص وبين القراءة التي تتطلب التركيز والمراجعة وربط الأفكار، مقدماً مجموعة من المقترحات لبناء عادة معرفية أكثر تماسكاً.
لا يحمّل الكتاب التقنية وحدها مسؤولية تراجع القراءة، بل يركز على طريقة استعمالها. فالشاشة ذاتها التي تقطع انتباه القارئ بالإشعارات يمكن أن تصبح مكتبة تحمل مئات الكتب، بشرط تنظيم الوقت وإغلاق مصادر التشتيت واختيار النصوص التي تستحق القراءة المتأنية.
«المجتمع المشهدي»… غي دوبور يعود عربياً في عصر المنصات
تأتي الترجمة العربية الجديدة لكتاب غي دوبور «المجتمع المشهدي» ضمن أبرز الإضافات الفكرية. ترجمت الكتاب ريم منصور الأطرش، وصدر عن دار أبعاد للطباعة والنشر والتوزيع سنة 2026 في 144 صفحة، حاملاً الرقم الدولي 9786145010579.
يحلل دوبور انتقال المجتمعات الحديثة من الحياة المباشرة إلى عالم الصور والعروض والتمثيلات. فالفرد، وفق تصوره، لا يعيش الواقع فقط، بل يستهلك صوراً جاهزة عنه تقدمها وسائل الإعلام والإعلانات ومنظومة السوق.
تبدو إعادة إتاحة الكتاب عربياً في صيغة إلكترونية ذات دلالة خاصة؛ فنظريته عن هيمنة «المشهد» سبقت شبكات التواصل، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في زمن المنصات والصورة القصيرة والحياة التي تُعرض باستمرار أمام الآخرين. ولهذا لا تبدو الترجمة الجديدة استعادة لكتاب فلسفي قديم بقدر ما تبدو أداة لفهم الحاضر الرقمي.
«منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم»… البحث المغربي داخل المكتبة الرقمية
ومن الإصدارات البحثية البارزة «موسوعة منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم: أسسها المعرفية والمنهجية وتطبيقاتها – الوثيقة الناظمة»، التي أعدها فريق من الباحثين، وصدرت عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالتعاون مع المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية.
يقع الكتاب في 160 صفحة، ويحمل الرقم الدولي 9798891933651، ويقترح منهجية لاستخراج القيم الكونية من القرآن الكريم، وبناء خرائط معرفية تربط بينها وبين المقاصد والإصلاح الفكري والتطبيقات التربوية والاجتماعية.
تكتسب هذه الإضافة أهمية مغربية وعربية، لأنها تنقل مشروعاً بحثياً جماعياً من الدائرة الأكاديمية المحدودة إلى فضاء القراءة الرقمية الأوسع. كما تتوفر للموسوعة نسخة إلكترونية مباشرة، فضلاً عن حضورها على منصة القراءة، بما يعزز إمكان الاستفادة منها لدى الباحثين والطلبة خارج المؤسسات الجامعية.
إحياء الكتب السابقة رقمياً
لا تقتصر الإضافات الجديدة على كتب 2026. فقد ضمت القوائم خلال الأسبوع نفسه عناوين منشورة في سنوات سابقة، من بينها كتب إدارية وفكرية وتربوية تعود طبعاتها إلى 2021 و2022 و2025. وهذا يعني أن النشر الإلكتروني العربي يؤدي وظيفتين في وقت واحد: إطلاق الإنتاج الجديد، وإعادة الكتب السابقة إلى التداول بعد أن اختفت نسخها الورقية أو تعذر توزيعها في بعض البلدان.
ويبدو أن هذه الوظيفة الثانية ستصبح أكثر أهمية مستقبلاً. فالناشر يمتلك أرشيفاً ورقياً قد يصعب إعادة طباعته بسبب التكاليف، بينما تسمح النسخة الإلكترونية باستمرار تداوله من دون الحاجة إلى التخزين والشحن. إنها طريقة لإطالة العمر الثقافي للكتاب، لا مجرد نسخة بديلة عن الورق.
ملامح الحصيلة الرقمية
تكشف عناوين نهاية يوليو 2026 عن حضور قوي للرواية، ولا سيما الرواية النفسية والفانتازيا والرعب والهجرة والقضية الفلسطينية. لكنها تكشف أيضاً عن اتساع القراءة الرقمية لتشمل العمارة والفلسفة والتربية والدراسات القرآنية والقيادة وأدب الرسائل.
وتشير الحصيلة كذلك إلى أن الانتقال نحو النشر الرقمي لا تقوده مؤسسة واحدة، بل تشارك فيه دور مصرية ولبنانية وخليجية ومراكز بحثية مغربية ودولية. فالمنصة الرقمية تحولت إلى حلقة وصل بين الناشر والقارئ، وخصوصاً في البلدان التي تعاني ضعف التوزيع أو ارتفاع كلفة استيراد الكتب.
غير أن هذا التطور يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة الببليوغرافية. فبعض المنصات لا توضح تاريخ إتاحة النسخة الإلكترونية بشكل منفصل عن سنة الطبعة الورقية، وقد تختلف أحياناً أرقام الصفحات أو الأرقام الدولية بين نسخة وأخرى. لذلك ينبغي للناشرين إضافة بيانات واضحة تبين تاريخ الإصدار الورقي وتاريخ الإصدار الرقمي وصيغته وحقوق استعماله.
خاتمة
لا يخوض الكتاب الإلكتروني العربي معركة لإلغاء الكتاب الورقي، بل يفتح له طريقاً ثانياً نحو القارئ. فالنسخة الورقية تحتفظ بحضورها المادي والجمالي، بينما تمنح النسخة الرقمية الكتاب قدرة على تجاوز الحدود والوصول السريع والاستمرار في التداول.
وتؤكد حصيلة الأيام الماضية أن الشاشة لم تعد خصماً للثقافة بالضرورة. فقد تكون أداة للتشتت، لكنها تستطيع كذلك أن تتحول إلى مكتبة كاملة، تحمل رواية فلسطينية، وحكاية مهاجر، وكتاباً في الفلسفة أو العمارة أو القيم القرآنية. وتبقى القيمة الحقيقية مرتبطة بما يقرأه الإنسان، وبالعمق الذي يمنحه للنص، لا بالمادة التي تحمل الكلمات، أكانت ورقاً أم ضوءاً إلكترونياً.
عبده حقي
كاتب مغربي








0 التعليقات:
إرسال تعليق