الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 21، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع كتاب "أخلاق الوزيرين " ملف من إعداد عبده حقي


يُعدّ كتاب أخلاق الوزيرين لـ أبو حيان التوحيدي واحدًا من أكثر النصوص إثارة للجدل في التراث العربي، لا لأنه مجرد عمل أدبي، بل لأنه يقف عند تخوم الحقيقة والانتقام، بين النقد الأخلاقي والهجاء الشخصي، وبين الفلسفة والتجربة المريرة. إنّه نصّ يخرج من قلب خيبة إنسان، لكنه يرتدي قناع الحكيم الذي يُدين عصره، ويُعرّي سلطته، ويُعيد كتابة الأخلاق من موقع الجرح.

من الناحية التاريخية، كُتب هذا العمل في سياق تجربة شخصية عاشها التوحيدي بعد أن قصد الوزيرين، الصاحب بن عباد وابن العميد، طامحًا إلى الاعتراف بموهبته ومكانته، غير أنه قوبل بالجفاء والإهمال. هذه الخيبة تحوّلت إلى طاقة سردية لاذعة، فكان الكتاب بمثابة "محاكمة أدبية" لهذين الرمزين السياسيين، حيث صاغ التوحيدي نصًا هجائيًا شديد القسوة، يعجّ بالنوادر والقصص والأمثلة التي تُدين سلوكهما وتكشف ما اعتبره فسادًا أخلاقيًا في السلطة .

غير أن اختزال الكتاب في مجرد "رد فعل انتقامي" سيكون قراءة سطحية، لأن النص يتجاوز الذات المجروحة إلى أفق أوسع، حيث يتحول الوزيرين إلى رمزين لسلطة فاسدة، ويصبح الهجاء وسيلة لتفكيك بنية الحكم في العصر البويهي. فالنص، كما تشير بعض الدراسات النقدية، لا يروم التأريخ بقدر ما يسعى إلى بناء خطاب أدبي رمزي يفضح السلطة من خلال السخرية والتعرية، مع الحفاظ في بعض المواضع على توازن غريب عبر ذكر بعض خصال الوزيرين الحسنة .

لكن ما يجعل هذا الكتاب إشكاليًا حقًا هو طبيعته الأخلاقية الملتبسة. فالتوحيدي، وهو الفيلسوف الذي ينشغل بالقيم، يكتب نصًا يقوم على "الغيبة" وفضح العيوب، وهو ما أثار اعتراضات حتى في زمنه. فقد اعتُبر الخوض في مثالب الأشخاص، خاصة بعد وفاتهم، خروجًا عن أخلاق الحكماء، وتجاوزًا لقيم الستر التي يكرّسها التراث الإسلامي . وهنا يبرز السؤال الحارق: هل كان التوحيدي ناقدًا أخلاقيًا أم خصمًا شخصيًا يلبس ثوب الفيلسوف؟

في مقدمة الكتاب، يعترف التوحيدي بشكل صريح تقريبًا بدوافعه، في عبارة صادمة أصبحت من أشهر مقاطع النص: "ابتُليت به وابتُلي بي… وحرمني فازدريته، وحقّرني فأخزيته" . هذه الجملة ليست مجرد اعتراف، بل مفتاح تأويلي يضع القارئ أمام نصّ مشحون بالذاتية، حيث تتحول الكتابة إلى نوع من الثأر الرمزي. إنها كتابة تخرج من الجرح، لكنها تحاول أن تُقنعنا بأنها تنطق باسم الحقيقة.

ومن الناحية الأسلوبية، يتميز الكتاب بلغة مركبة تجمع بين البلاغة العالية والسخرية اللاذعة. فالتوحيدي لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحيكها داخل نسيج أدبي غني بالأمثال والحِكم، ما يمنح النص طابعًا مزدوجًا: فهو في الآن ذاته نص هجائي ونص فلسفي. هذه الازدواجية هي ما يمنح العمل قيمته، لكنها أيضًا ما يجعله ملتبسًا، إذ يصعب الفصل بين "الحقيقة" و"التمثيل البلاغي".

ومن بين المقاطع المثيرة للجدل، تلك التي يصوّر فيها الوزيرين بصورة كاريكاتورية، حيث يُنسب إليهما البخل، والتعالي، والتلاعب بالعلماء، بل ويُلمّح أحيانًا إلى نفاقهما السياسي. وفي مواضع أخرى، يقدّم التوحيدي حكمًا عامة ذات طابع أخلاقي، مثل قوله: "الناس أعداء ما جهلوا"، وهي عبارة تتجاوز سياق الهجاء لتُلامس بعدًا إنسانيًا أوسع . هنا يتداخل الخاص والعام، الشخصي والفلسفي، في شبكة معقدة من المعاني.

إن هذا التداخل هو ما دفع بعض النقاد إلى اعتبار أخلاق الوزيرين نصًا "حجاجيًا"، حيث يسعى التوحيدي إلى إقناع القارئ بوجهة نظره عبر استراتيجيات خطابية متنوعة، تجمع بين العقل والعاطفة والسلطة الأخلاقية . فهو لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يعمل على توجيه القارئ نحو تبنّي موقف معين، مستخدمًا أدوات البلاغة والإقناع.

ومع ذلك، يبقى السؤال المركزي: هل نجح التوحيدي في تحقيق العدالة الأدبية، أم أنه وقع في فخ الانتقام؟ الحقيقة أن النص يظل مفتوحًا على تأويلات متعددة. فمن جهة، يمكن قراءته كوثيقة تاريخية تكشف عن فساد السلطة في العصر العباسي المتأخر، ومن جهة أخرى، يمكن اعتباره نصًا ذاتيًا يعكس أزمة المثقف المهمّش في مواجهة السلطة.

في هذا السياق، يمكن القول إن قيمة الكتاب لا تكمن في "موضوعيته"، بل في صدقه الوجودي. فالتوحيدي لا يدّعي الحياد، بل يكتب من موقع الألم، وهذا ما يمنح نصه قوة خاصة. إنه لا يقدّم الحقيقة كمعطى جاهز، بل كصراع بين الذات والعالم، بين الطموح والخذلان.

لقد وصف بعض الباحثين هذا العمل بأنه "وثيقة فلسفية وسياسية وأخلاقية"، لأنه لا يكتفي بنقد الأشخاص، بل يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة والأخلاق في المجتمع . وفي هذا المعنى، يصبح الكتاب أقرب إلى مرآة تعكس أزمة عصر بأكمله، حيث تتقاطع السياسة بالأدب، والفلسفة بالتجربة الشخصية.

في النهاية، يمكن القول إن أخلاق الوزيرين ليس كتابًا عن الوزيرين بقدر ما هو كتاب عن التوحيدي نفسه، عن خيبته، عن غضبه، وعن رغبته في استعادة كرامته عبر الكتابة. إنه نصّ يضعنا أمام مفارقة عميقة: فالأديب الذي سعى إلى فضح "مثالب" الآخرين، كشف في الآن ذاته عن هشاشته الإنسانية، وعن التوتر الدائم بين الأخلاق والكتابة.

وهكذا، يظل هذا العمل شاهدًا على لحظة نادرة في التراث العربي، لحظة تجرأ فيها كاتب على أن يقول ما لا يُقال، وأن يكتب ما يُخشى كتابته، حتى لو كان الثمن هو الوقوع في منطقة رمادية، بين الحقيقة والمرارة، بين النقد والانتقام.



0 التعليقات: