الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 21، 2026

سُلطةُ الحِكايةِ في زَمَنِ تَصنيعِ الوُقائِعِ وتَرويضِ الذاكِرَةِ الجَماعِيّة: عبده حقي

 


لم يَعُدِ السُّؤالُ الَّذي يَتَردَّدُ في أروِقَةِ العَقلِ الجَماعِيِّ مُنصَبًّا على جَوهَرِ الحَدَثِ ذاتِهِ: ماذا وَقَع؟ بل تَحوَّلَ، في انزياحٍ دالٍّ، إلى سُؤالٍ أشدِّ خُطورةً وأعمقِ أَثَرًا: مَن يَملِكُ القُدرَةَ على إقناعِنا بِما وَقَع؟ هكذا تُعادُ صياغةُ العالَمِ أمامَ أعيُنِنا، لا بوَصفِهِ مَجموعةً منَ الوقائعِ الصُّلْبَة، بل كسِرديّاتٍ قابِلَةٍ للتَّشكيكِ، والتَّلوينِ، وإعادةِ الإخراجِ حَسَبَ مَوازينِ القُوَّةِ الرَّمزيَّةِ. في هذا التَّحوُّلِ الهادِئِ، الذي يَشبهُ انزلاقَ الضَّوءِ على سَطحِ الماء، يَكمُنُ التَّغييرُ الأكبرُ في تَاريخِ علاقتِنا بالحقيقة.

إنَّ ما نُسَمِّيهِ اليومَ “واقعًا” لم يَعُدْ مُجرَّدَ نَتيجَةٍ لِتراكُمِ الأَحداث، بل أَضحى مَحصِّلَةَ صِراعٍ خَفِيٍّ بينَ قُوى السَّرد، حيثُ تَتَنافَسُ المؤسَّساتُ الإعلاميَّةُ، والشَّبَكاتُ الرَّقميَّةُ، وخَوارِزميّاتُ المَنَصّاتِ، بل وحتى الأفرادُ المُؤثِّرون، على احتِكارِ زاويَةِ النَّظرِ وتَحديدِ مَعنَى الحَدَث. إنَّها حَربٌ لا تُسمَعُ فيها أصواتُ الرَّصاص، بل تَتعالَى فيها هَمساتُ العناوينِ، وصُوَرُ الشَّاشات، وخُطاباتُ الإقناعِ التي تَتَسلَّلُ إلى وعينا دونَ استئذان.

في هذا السِّياق، تَتَلاشى الحُدودُ الفاصِلَةُ بينَ الحَقيقةِ والتَّأويل، وتُصبِحُ الوقائعُ نُقاطًا خامًا قابِلَةً لإعادةِ التَّشكيلِ. فالحَدَثُ لا يَكتَسِبُ مَعناهُ مِن ذاتِهِ، بل مِن السِّياقِ الَّذي يُوضَعُ فيه، ومِن اللُّغةِ التي تُحاصِرُهُ، ومِن الإطارِ البَصريِّ الَّذي يُقدَّمُ مِن خِلالِه. وهكذا، فإنَّ الصُّورةَ الواحِدَةَ قَد تُصبِحُ أَلفَ حِكاية، والعُنوانَ الواحِدَ قَد يَفتَحُ أَبوابًا مُتعدِّدةً مِنَ التَّأويلاتِ، كأنَّنا أمامَ نَصٍّ مُفتوحٍ لا يَعرِفُ نِهايةً.

لقد أَعادَ العَصرُ الرَّقميُّ تَشكيلَ مَفهومِ “الشَّاهد”، فَلم يَعُدِ الشَّاهدُ مَن رَأى، بل مَن نَجَحَ في إقناعِ الآخرينَ بِأنَّهُ رَأى. إنَّها مُفارَقةٌ تُعيدُ إلى الأذهانِ ما أَشارَ إليهِ عُلماءُ الاجتماعِ حينَ تَحدَّثوا عن “بِناءِ الواقِعِ الاجتماعي”، حيثُ لا تُوجَدُ حقيقةٌ مُطلَقةٌ خارِجَ التَّفاعُلِ الإنساني، بل تَتَشكَّلُ الحَقائِقُ داخِلَ نَسيجِ التَّواصُلِ، وتَحتَ سُلطَةِ اللُّغةِ، وضمنَ إيقاعِ السُّلطاتِ المُتَعدِّدة.

ولَعَلَّ أَخطرَ ما في هذا التَّحوُّلِ هُو أنَّهُ يُنهي بُطء الحقيقةِ لصالِحِ سُرعةِ الرِّواية. فالحَدَثُ، في زَمَنِ التَّدفُّقِ الرَّقميِّ، لا يَنتَظِرُ اكتمالَهُ كَي يُفهَم، بل يُختَطَفُ في لَحظَتِهِ الأُولى، ويُعادُ تَدويرُهُ في آلافِ النُّسَخِ المُتَنافِسَة، حيثُ تَختلِطُ الأَخبارُ بالإشاعاتِ، والآراءُ بالوقائعِ، والتَّحليلُ بالدِّعاية. وهنا تَفقدُ الحقيقةُ مَكانَتَها كحَكَمٍ نهائيٍّ، وتُصبِحُ مُجرَّدَ صوتٍ ضِمنَ جُوقةٍ صاخِبة.

إنَّ السُّلطةَ في هذا العَصرِ لَم تَعُدْ سُلطةَ مَن يَملِكُ القُوَّةَ المادِّيَّةَ فَحَسب، بل سُلطةُ مَن يُتقِنُ فَنَّ الحِكاية. فالرِّوايةُ القادِرَةُ على التَّأثيرِ، لا تَحتاجُ إلى أن تَكونَ صادِقَةً كُلِّيًّا، بَل أَن تَكونَ مُقنِعَةً بما يَكفي لِتَحقيقِ الاِنتِشار. إنَّها سُلطةٌ ناعِمَةٌ، تَعملُ في صَمتٍ، وتُعيدُ تَشكيلَ الوَعيِ دونَ أن تُثيرَ شُبهةً. وهنا يَتَحوَّلُ المُتلَقِّي مِن باحِثٍ عنِ الحَقيقةِ إلى مُستهلِكٍ لِلسَّرديّات، يَختارُ مِنها ما يُناسِبُ مَيولَهُ، ويُؤكِّدُ قِناعاتِهِ المُسبَقَة.

وفي خِضَمِّ هذا التَّشابُكِ، تَتَراجَعُ المِهَنُ الكلاسيكيَّةُ للحَقيقة، كالصَّحافةِ الاِستِقصائيَّةِ، أَمامَ طوفانِ المُحتَوى السَّريع، حيثُ تُصبِحُ الأولويَّةُ لِمَن يَصِلُ أَوَّلًا، لا لِمَن يَتحقَّقُ أَعمق. وهكذا، يَجِدُ القارِئُ نَفسَهُ في مَتاهَةٍ مِنَ النُّصوصِ المُتَعارِضَة، لا يَعرِفُ فيها أيُّها أَقرَبُ إلى الحَقيقة، وأيُّها أَكثَرُ بَراعةً في الخِداع.

ومَعَ ذلك، لا يَنبَغي أَن نَنزَلِقَ إلى نَوعٍ مِنَ العَدَميَّةِ التي تُساوي بينَ كُلِّ الرِّوايات، فَهُناكَ دومًا إمكانيَّةٌ لِلمُقاوَمة، لِلبَحثِ، لِإعادةِ فَحصِ المَصادِر، ولِبِناءِ وعيٍ نَقديٍّ يُميِّزُ بينَ ما يُقالُ وما يُرادُ لَهُ أَن يُقال. إنَّ استِعادَةَ السُّؤالِ الأوَّلِ: “ماذا حدث؟” لا تَعنِي إنكارَ قُوَّةِ السَّرد، بل تَعنِي مُواجَهَتَها، وفَهمَ آليّاتِها، وتَفكيكَ خُطاباتِها.

إنَّنا نَعيشُ، في نِهايَةِ المطاف، في عَصرٍ يُشبِهُ مَسرَحًا كَبيرًا، حيثُ تَتَعدَّدُ المَشاهِدُ، وتَتَداخَلُ الأدوارُ، ويَصعُبُ التَّمييزُ بينَ المُمثِّلِ والحَدَث. وفي هذا المَسرَح، لا يَكفي أَن نَكونَ مُشاهِدين، بل يَتَطلَّبُ الأَمرُ أن نَكونَ قُرّاءً نُقَّادًا، نُدقِّقُ في النُّصوصِ، ونَفكِّكُ الرِّوايات، ونَبحثُ عَن الحَقيقةِ الَّتي تَختبِئُ خَلفَ ضَجيجِ الحِكايات.

فالحَقيقةُ، وإن تَوارَت، لا تَختفي، بَل تَنتَظِرُ مَن يُنقِّبُ عَنها، ويُعيدُ إليها صَوتَها الأَصليّ، بَعيدًا عَن كُلِّ أَشكالِ التَّزييفِ والتَّشكيل. وربما، في هذا الجُهدِ المُضني، يَكمُنُ الأَمَلُ الأخيرُ لِإنقاذِ مَعنى الوُجودِ في زَمَنٍ تَحوَّلَ فيهِ كُلُّ شَيءٍ إلى سِرديَّةٍ قابِلَةٍ لِلتَّأويل.


0 التعليقات: