في لحظة تبدو للوهلة الأولى قضائية خالصة، لكنها في العمق سياسية وثقافية بامتياز، جاء الحكم الصادر في حق الكاتب الجزائري كامل داوود بالسجن ليعيد طرح سؤال قديم متجدد: ما حدود حرية الكاتب في الأنظمة التي لم تحسم بعد علاقتها مع الكلمة الحرة؟ فالقضية لم تعد مجرد متابعة قانونية، بل تحولت إلى مؤشر رمزي على العلاقة المتوترة بين السلطة والمثقف في الجزائر، خاصة عندما يتعلق الأمر بكاتب بلغ العالمية ولامس قضايا حساسة في الذاكرة الوطنية.
كامل داوود ليس اسماً عادياً في المشهد الأدبي الفرنكوفوني، بل هو صوت مثير للجدل منذ سنوات، سواء عبر مقالاته الصحفية أو أعماله الروائية التي فتحت جراحاً لم تندمل بعد. روايته «حوريس» التي تناولت ما يعرف بالعشرية السوداء، أعادت إلى الواجهة ذاكرة جماعية مؤلمة، حاولت السلطة طويلاً ضبط سرديتها أو تأطيرها ضمن خطاب رسمي موحد. غير أن الأدب، بطبيعته، لا يعترف بهذه الحدود، بل يذهب نحو تفكيك المسكوت عنه، وهو ما جعل داوود في موقع دائم من التوتر مع المؤسسة السياسية.
الحكم بالسجن عليه، كما تشير عدة قراءات، لا يمكن فصله عن هذا السياق. فحين يتحول الكاتب من “صوت مسموح به” إلى “صوت مزعج”، تبدأ آليات الإقصاء بالاشتغال. هذا التحول من التسامح النسبي إلى التجريم الصريح يعكس طبيعة العلاقة المتقلبة بين السلطة والمثقفين، حيث يُسمح بالاختلاف ما دام لا يلامس جوهر السلطة أو يعيد كتابة التاريخ بطريقة مغايرة.
اللافت في هذه القضية هو أن داوود ظل لسنوات داخل الجزائر، رغم مواقفه النقدية، وهو ما كان يُقرأ كنوع من التسامح أو حتى كدليل على انفتاح نسبي. غير أن هذا التعايش لم يكن مستقراً، بل كان هشاً، يعتمد على توازن دقيق بين ما يُقال وما يُسكت عنه. ومع روايته الأخيرة، يبدو أن هذا التوازن قد انهار، ليتم تصنيفه ضمن خانة “العدو”، وهو توصيف ثقيل الدلالة، يكشف أن المسألة لم تعد أدبية، بل سياسية بامتياز.
من زاوية أخرى، تطرح هذه القضية إشكالية أعمق تتعلق بموقع الأدب في المجتمعات التي لم تنجز بعد مصالحتها مع ماضيها. فالعشرية السوداء، بما تحمله من عنف وصراعات، ما تزال موضوعاً حساساً، وأي محاولة لإعادة قراءتها تُقابل بالريبة أو الرفض. وهنا يصبح الكاتب في موقع صعب: إما أن يلتزم بالرواية الرسمية، أو يغامر بدفع ثمن اختياره الحر.
ردود الفعل الدولية، التي عادة ما ترافق مثل هذه القضايا، تضع الجزائر أمام اختبار آخر، يتعلق بصورتها في الخارج. فبلد يسعى إلى تقديم نفسه كدولة مستقرة ومنفتحة، يجد نفسه في مواجهة انتقادات تتعلق بحرية التعبير. وهذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية يعمق أزمة الثقة، ليس فقط مع الخارج، بل أيضاً مع الداخل، حيث يشعر المثقفون بأن هامش الحرية يتقلص.
لكن القضية لا تتعلق بداوود وحده، بل تمتد إلى سؤال أوسع: هل يمكن للكاتب أن يكون حراً في فضاء تحكمه اعتبارات سياسية وأمنية؟ وهل تستطيع السلطة أن تتعايش مع خطاب أدبي يعيد طرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة؟ هذه الأسئلة ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم راهنية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها العالم، حيث أصبحت حرية التعبير معياراً أساسياً لقياس تطور المجتمعات.
في النهاية، قد يكون الحكم على كامل داوود مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الصراع بين السلطة والكلمة، لكنه في الوقت نفسه لحظة كاشفة. لحظة تظهر أن المعركة لم تعد فقط حول نص أدبي، بل حول من يملك الحق في سرد الحكاية. وبين كاتب يصر على الكتابة، وسلطة تريد التحكم في الذاكرة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للكلمة أن تنتصر في النهاية، أم أن ثمنها سيظل دائماً باهظاً؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق