في كتاب ميثولوجيات «Mythologies»، يقترح رولان بارت على قارئه مغامرة فكرية لا تشبه أي قراءة تقليدية، إذ لا يتعلق الأمر بنص يُقرأ بقدر ما هو عدسة تُركَّب على العين لتغيير زاوية النظر إلى العالم. فبارت لا يكتب عن أشياء استثنائية أو أحداث كبرى، بل ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى تلك المساحات التي تبدو بريئة ومألوفة، ليكشف أنها ليست كذلك. ومن هنا تبدأ الصدمة الأولى: ما نراه عاديًا ليس بريئًا، بل مُصاغ بعناية، ومشحون بدلالات تتجاوز ظاهره.
في هذا العمل، الذي صدر سنة 1957، لا يتعامل بارت مع الأسطورة بوصفها حكاية قديمة عن الآلهة والأبطال، بل يعيد تعريفها باعتبارها خطابًا معاصرًا، يتخفى في ثنايا الثقافة اليومية. الإعلانات، الصور، الأطعمة، الرياضات، وحتى الوجوه، كلها تتحول إلى علامات تُنتج معنى خفيًا. فالأسطورة، كما يفهمها بارت، ليست سوى طريقة في القول، لكنها طريقة تخفي أكثر مما تُظهر، وتُقنع أكثر مما تشرح.
يبدأ الكتاب بسلسلة من المقالات القصيرة التي تبدو في ظاهرها متفرقة، لكنها تتقاطع في جوهرها. ففي كل نص، يلتقط بارت ظاهرة يومية ويُخضعها لمشرط التحليل، كأنه جرّاح يُفكك الجسد ليفهم آلية اشتغاله. المصارعة مثلًا لا يراها مجرد رياضة، بل عرضًا مسرحيًا يُعاد فيه تمثيل الخير والشر بطريقة مبسطة ومباشرة. أما صورة النبيذ، فلا تظل مجرد مشروب، بل تتحول إلى رمز للرجولة أو للهوية الوطنية. وهكذا، تتبدل الأشياء من وظائفها البسيطة إلى دلالات أعمق، تحمل في طياتها خطابًا أيديولوجيًا.
ما يفعله بارت هنا هو تفكيك فكرة “الطبيعي”. فهو يرى أن ما نعتبره بديهيًا ليس كذلك، بل هو نتيجة بناء ثقافي وتاريخي. الأسطورة، في هذا السياق، تعمل على إخفاء هذا البناء، وتحويله إلى شيء يبدو وكأنه جزء من طبيعة الأشياء. إنها عملية تمويه دقيقة، تجعل من التاريخ قدرًا، ومن المصنوع حقيقة ثابتة. وهنا تتجلى خطورة الأسطورة: فهي لا تُخضعنا بالقوة، بل بالإقناع الصامت.
في القسم الثاني من الكتاب، ينتقل بارت من الأمثلة إلى التنظير، ليقدم مفهومه الشهير حول الأسطورة كنظام دلالي من الدرجة الثانية. فكل علامة، سواء كانت كلمة أو صورة، تحمل معنى أوليًا، لكنها يمكن أن تتحول إلى دالّ جديد يُحمَّل بمعنى إضافي. وبهذا، يصبح المعنى نفسه طبقات متراكبة، حيث تختفي الأيديولوجيا في المستوى الثاني، متخفية وراء بساطة الظاهر. إننا لا نرى المعنى كما هو، بل كما يُراد لنا أن نراه.
بهذا المعنى، تتحول اللغة إلى أداة مزدوجة: تُظهر وتُخفي في آن واحد. إنها لا تنقل الواقع، بل تعيد تشكيله، وفق منطق يخدم مصالح معينة. وهنا يلمّح بارت إلى دور البرجوازية في إنتاج هذه الأساطير، حيث تعمل على تقديم رؤيتها للعالم باعتبارها الرؤية الطبيعية الوحيدة الممكنة. إنها سلطة لا تُعلن نفسها، بل تتسلل عبر التفاصيل، عبر الصور، عبر ما نستهلكه يوميًا دون تفكير.
غير أن قوة «Mythologies» لا تكمن فقط في أفكاره، بل أيضًا في أسلوبه. فبارت يكتب بلغة تجمع بين الدقة الفكرية والحس الأدبي، بين التحليل والسخرية، بين الفلسفة واللمسة الشعرية. إنه لا يكتفي بتفكيك المعنى، بل يعيد صياغته بطريقة تجعل القارئ شريكًا في عملية الاكتشاف. القراءة هنا ليست استهلاكًا للنص، بل مشاركة في إنتاجه.
ومع ذلك، يمكن أن يُؤخذ على بارت ميله إلى التعميم، إذ يبدو أحيانًا وكأنه يرى الأسطورة في كل شيء، مما قد يخلق نوعًا من الشك المفرط. لكن هذا الشك، في حد ذاته، هو ما يمنح الكتاب قيمته. إنه يدفع القارئ إلى إعادة النظر في يقينياته، إلى مساءلة ما يبدو واضحًا، إلى التفكير فيما لم يكن يفكر فيه.
اليوم، وبعد عقود من صدور هذا الكتاب، يبدو أن أفكار بارت لم تفقد راهنيتها، بل ازدادت حضورًا. ففي زمن الشبكات الاجتماعية، حيث تتحول الصور إلى خطابات، والهوية إلى علامة، والاستهلاك إلى أسلوب حياة، نجد أنفسنا داخل ميثولوجيات جديدة، ربما أكثر تعقيدًا، لكنها تعمل بالمنطق ذاته. فالصورة التي نراها على الشاشة ليست مجرد صورة، بل خطاب، والاختيار الذي نظنه حرًا ليس دائمًا كذلك.
من هنا، يمكن القول إن «Mythologies» ليس مجرد كتاب في النقد الثقافي، بل هو دعوة إلى اليقظة. إنه يُعلمنا أن نقرأ العالم كما نقرأ النصوص، أن ننتبه إلى ما وراء الكلمات والصور، أن نكشف ما يُراد إخفاؤه. إنه تمرين على الحرية الفكرية، وعلى مقاومة الاستلاب الناعم الذي تمارسه الثقافة المعاصرة.
في النهاية، لا يقدم بارت إجابات جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة. وهذا ربما هو جوهر الكتاب: أن نعيش في حالة من التساؤل الدائم، وأن ندرك أن الحقيقة ليست دائمًا كما تبدو، وأن ما نعتبره طبيعيًا قد يكون، في عمقه، مجرد أسطورة نجحت في إقناعنا.







0 التعليقات:
إرسال تعليق