الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 28، 2026

قراءة نقدية في مأزق النظام الجزائري: عبده حقي

 


تكشف تقارير ومضامين عدد من المنصات الإعلامية المعارضة مثل (الجزائر فوكس) و(راديو إم) و (المغرب الناهض) و (كل شيء عن الجزائر) وغيرها، عن صورة متكررة لنظام سياسي يتجه نحو الانغلاق بدل الانفتاح، ويُفضّل إدارة الأزمات عبر القمع بدل الإصلاح، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على موقع الجزائر داخل فضائها المغاربي والإقليمي والإفريقي.

في الداخل، تبدو أزمة السلطة الجزائرية متعددة الأبعاد، تبدأ من المجال الإعلامي الذي أصبح أحد أبرز مؤشرات التراجع الديمقراطي. فعدّة تقارير تؤكد أن مواقع إعلامية مستقلة، من بينها (راديو إم) و (المغرب الناهض)، تعرضت للحجب أو الإغلاق، في سياق وصفه صحفيون بـ"الرقابة السياسية" ، كما تم اعتقال صحفيين بارزين في قضايا أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية  – منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان). ولا يتعلق الأمر بحالات معزولة، بل بنمط متكرر يشمل حجب مواقع مثل  (كل شيء عن الجزائر) و(بين السطور) و(توالا) و (قصبة تريبيون) وغيرها، في سياق تضييق مستمر على الإعلام الرقمي – وسائل الإعلام الرقمية).

هذا الواقع يعكس أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع، خاصة بعد الحراك الشعبي الذي انطلق سنة 2019، حيث انتقلت الدولة من مرحلة استيعاب نسبي للمطالب إلى مرحلة إعادة السيطرة عبر أدوات قانونية وأمنية، بما في ذلك توسيع تعريف "الإرهاب" ليشمل المعارضين السياسيين، وهو ما أثار قلقاً دولياً بشأن أوضاع الحريات . ويؤكد هذا التحول أن النظام لم يستوعب بعد دروس الحراك، بل أعاد إنتاج نفس آليات الضبط القديمة تحت مسميات جديدة.

اقتصادياً، لا تبدو الصورة أفضل حالاً، إذ تشير تحليلات اقتصادية منشورة في منصات مثل  (المغرب الناهض) إلى وجود فجوة بين الموارد الطاقية الكبيرة للجزائر وبين ضعف الأداء الاقتصادي العام، حيث يستمر الاعتماد المفرط على عائدات النفط والغاز  عائدات المحروقات)، مقابل ضعف التنويع الاقتصادي ، ما يجعل الاقتصاد هشاً أمام تقلبات الأسواق العالمية. هذا التناقض بين الإمكانيات والنتائج يغذي شعوراً عاماً بالإحباط داخل المجتمع، ويزيد من حدة التوترات الاجتماعية.

أما على المستوى المغاربي، فقد تحولت السياسة الخارجية الجزائرية إلى عامل توتر بدل أن تكون جسراً للتعاون )، خصوصاً في علاقتها مع المغرب، حيث تتبنى الجزائر موقفاً تصعيدياً مستمراً أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية ، وإغلاق الحدود، وتعطيل أي أفق لبناء اتحاد مغاربي فعّال  اتحاد المغرب العربي. هذا الخيار السياسي لا يضر فقط بالعلاقات الثنائية، بل يضعف أيضاً إمكانيات التكامل الاقتصادي الإقليمي ، ويُبقي المنطقة رهينة صراعات عقيمة.

إقليمياً، يتضح تراجع الدور الجزائري في منطقة الساحل، التي كانت تقليدياً مجال نفوذ استراتيجي لها  نفوذ استراتيجي). فقد أظهرت تقارير حديثة أن الجزائر فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها في ملفات مثل مالي وليبيا، في ظل صعود قوى إقليمية ودولية منافسة، وتراجع قدرتها على لعب دور الوسيط الفاعل . بل إن بعض الدول أصبحت تنظر بعين الشك إلى الدور الجزائري، ما يعكس أزمة ثقة إقليمية حقيقية.

وفي إفريقيا، تبدو السياسة الجزائرية محكومة بمنطق رد الفعل أكثر من المبادرة، إذ تغيب عنها رؤية استراتيجية واضحة للتنمية المشتركة  أو الاستثمار في الشراكات الاقتصادية ، مقارنة بدول أخرى استطاعت تعزيز حضورها عبر مشاريع ملموسة. هذا الفراغ يضعف مكانة الجزائر القارية ، رغم إمكانياتها المالية والبشرية.

إن الخطاب السياسي الرسمي في الجزائر، الذي يركز على "السيادة"  و"رفض التدخل الخارجي"  ، لم يعد كافياً لإخفاء الاختلالات الداخلية، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة لتبرير الانغلاق، بدل أن يكون إطاراً لإصلاح حقيقي. فالدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على ضمان حرية مواطنيها، وتعزيز مؤسساتها، والانخراط الإيجابي في محيطها.

خلاصة القول إن السياسة الحالية للسلطات الجزائرية، كما تعكسها قراءات عدد من المنصات الإعلامية المعارضة مثل (الجزائر بارت) و (أوبسرفاتوار الجزائر) و (صباح الجزائر) و (مراقبة الجزائر) و(أمير ديزاد) و (عبدو سمار)، تعاني من اختلال مزدوج: داخلي يتمثل في تضييق الحريات وإضعاف الإعلام، وخارجي يتجلى في تراجع الدور الإقليمي وتوتر العلاقات مع الجوار. وبين هذين البعدين، تضيع فرص حقيقية كان يمكن أن تجعل من الجزائر قوة إقليمية متوازنة ومؤثرة.

غير أن الأمل لا يزال قائماً في قدرة المجتمع الجزائري، الذي أظهر حيوية كبيرة خلال الحراك، على إعادة طرح أسئلة الإصلاح ، والدفع نحو نموذج سياسي أكثر انفتاحاً وتوازناً، يضع المواطن في قلب المعادلة، بدل أن يجعله مجرد متفرج على قرارات تُتخذ باسمه دون مشاركته.


0 التعليقات: