الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 29، 2026

الذاكرةُ الحقوقيةُ تُقاومُ النسيانَ القسري: إعداد عبده حقي

 


في عالمٍ يتسارع فيه إيقاعُ الأزمات وتتقاطع فيه المصالحُ السياسية مع هشاشة الإنسان، تكشف تقارير الأسبوع الماضي الصادرة عن أبرز المنظمات الحقوقية الدولية عن صورةٍ مركبةٍ ومقلقةٍ لوضعية حقوق الإنسان، حيث تتوالى الوقائع التي تؤكد أن الحريات الأساسية ما تزال رهينة التوازنات الأمنية والرهانات الجيوسياسية. ومن خلال رصد ما نشرته مؤسسات مثل (منظمة العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش – المرصد الدولي لحقوق الإنسان)، إلى جانب  (الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان) و (بيت الحرية)، يتضح أن العالم يعيش حالة من “الانكماش الحقوقي” الذي يهدد مكتسبات عقودٍ من النضال المدني.

تشير التقارير الحديثة إلى أن حرية التعبير تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، خاصة في دول شمال إفريقيا وبعض الدول الإفريقية، حيث وثقت حالات اعتقال تعسفي لصحفيين ومدونين، بسبب منشورات رقمية أو آراء سياسية. وفي السياق ذاته، أكدت أن القضاء في بعض هذه الدول أصبح أداة لإسكات الأصوات المعارضة، من خلال محاكمات تفتقر إلى شروط المحاكمة العادلة وهو ما يعكس تحوّلاً خطيراً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وفي تقارير (الخدمة الدولية لحقوق الإنسان)، تم تسليط الضوء على أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث يواجه هؤلاء تهديدات مستمرة تشمل المراقبة، والتشهير، بل وحتى الاعتداء الجسدي. وتؤكد منظمة (المدافعون في الخط الأمامي) أن الأسبوع الماضي شهد تصاعداً في استهداف نشطاء البيئة وحقوق المرأة، خاصة في مناطق النزاعات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القمع السياسي.

وفي ما يتعلق بحرية التنظيم ، سجلت تراجعاً ملحوظاً في عدد من الدول، حيث تم تضييق الخناق على الجمعيات المستقلة، وفرض قيود قانونية تعيق عملها، بما في ذلك اشتراطات تمويل صارمة أو حلّ بعض المنظمات بقرارات إدارية. كما أكدت (المنظمة العربية لحقوق الإنسان) أن الفضاء المدني في المنطقة العربية يشهد انكماشاً حاداً، نتيجة سياسات ممنهجة تهدف إلى السيطرة على المجتمع المدني.

وفي القارة الإفريقية، كشفت تقاري (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) عن استمرار الانتهاكات في مناطق النزاع، حيث يعاني المدنيون من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تشمل التهجير القسري والقتل خارج نطاق القانون. كما وثّقت المنظمة صعوبات في إيصال المساعدات الإنسانية بسبب القيود الأمنية، وهو ما يزيد من معاناة السكان.

وفي أوروبا، ورغم التقدم المؤسسي، تشير تقارير (الديمقراطية المفتوحة) إلى وجود تناقضات واضحة في سياسات الهجرة، حيث يتم احتجاز المهاجرين في مراكز تفتقر إلى الشروط الإنسانية، مع تسجيل حالات إساءة معاملة. كما انتقدت (شبكة معلومات حقوق الإنسان) بعض السياسات التي تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو أحد أهم مبادئ حماية اللاجئين.

أما على مستوى حقوق المرأة، فقد أكدت (هيئة الأمم المتحدة للمرأة) و (الصندوق العالمي للنساء) أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال يمثل تحدياً عالمياً، خاصة في مناطق النزاعات، حيث يتم استخدامه كسلاح للهيمنة والسيطرة. كما دعت منظمة  (المساواة الآن) إلى إصلاح القوانين التي تميّز ضد النساء، مؤكدة أن التقدم التشريعي لا يواكبه دائماً تطبيق فعلي.

وفي ما يتعلق بحقوق الطفل، فقد أصدرت (منظمة الأمم المتحدة للطفولة – اليونيسف) و (أنقذوا الأطفال) تقارير مقلقة حول أوضاع الأطفال في مناطق النزاع، حيث يتعرضون للتجنيد القسري  والحرمان من التعليم . كما وثّقت (الدفاع عن الأطفال دولياً) حالات اعتقال أطفال في ظروف غير إنسانية، دون ضمانات قانونية كافية.

وعلى المستوى الأممي، أكدت (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان) أن العالم يشهد تراجعاً في احترام المعايير الدولية، داعية إلى تعزيز آليات المساءلة . كما ناقش (مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة) خلال جلساته الأخيرة تقارير عن انتهاكات خطيرة في عدة مناطق، مع دعوات إلى إرسال بعثات تحقيق دولية.

وفي السياق العربي، أبرزت  (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان) أن الرقابة الرقمية أصبحت أداة مركزية في قمع الحريات، حيث يتم حجب المواقع وملاحقة المستخدمين بسبب آرائهم. كما تم تسجيل حالات متزايدة من التضييق على الصحافة المستقلة، في ظل غياب ضمانات حقيقية لحماية حرية الإعلام.

ومن الأمثلة الواقعية التي تعزز هذه الصورة، قضية اعتقال صحفيين بسبب تغطيتهم لاحتجاجات اجتماعية، أو ملاحقة نشطاء بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ممارسات تؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد ملاذاً آمناً. كما تم تسجيل حالات طرد جماعي لمهاجرين في ظروف قاسية، دون احترام للمعايير الدولية، وهو ما يعكس أزمة أخلاقية في إدارة ملف الهجرة.

إن هذه المعطيات مجتمعة تكشف عن عالمٍ يعيش مفارقة عميقة: خطاب حقوقي متقدم يقابله واقع ميداني متراجع. وبينما تستمر المنظمات الحقوقية في توثيق الانتهاكات، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه التقارير إلى آليات ضغط فعالة تفرض احترام الكرامة الإنسانية. فحقوق الإنسان ليست مجرد شعارات، بل هي مقياس حقيقي لمدى إنسانية الأنظمة وقدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن والحرية، وهو توازن يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.


0 التعليقات: