الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 17، 2026

سرديات الخوارزميات وأدب الشبكات المتصلة: عبده حقي

 


في منعطفٍ تاريخيٍّ تتشابك فيه اللغة مع الشيفرة، والخيال مع البيانات، يجد الأدب نفسه أمام تحوّلٍ بنيويٍّ عميق، يكاد يعيد تعريف معنى الكتابة ذاتها. لم يعد النص مجرّد أثرٍ فرديٍّ يخطّه كاتبٌ في عزلةٍ تأمّلية، بل أصبح فضاءً مفتوحًا تتقاطع فيه الخوارزميات مع تدفّقات البيانات الضخمة، كما تتداخل فيه أصوات القرّاء مع نوايا المؤلفين. في هذا السياق، تبرز سرديات البيانات، أو ما يمكن تسميته بـ"الرواية المُولَّدة خوارزميًا"، بوصفها أحد أكثر الأشكال الأدبية إثارة للجدل في العصر الرقمي، إلى جانب ما يُعرف بـ"رواية وسائل التواصل الاجتماعي"، حيث تتحوّل المنصات الرقمية إلى مختبرات حيّة لإنتاج النصوص وتداولها.

إن فكرة توليد السرد عبر الخوارزميات ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى تجارب مبكرة في الأدب الحاسوبي، مثل أعمال مجموعة Oulipo الفرنسية التي سعت إلى استكشاف إمكانات القيود الشكلية في توليد النصوص. غير أن الطفرة الحقيقية جاءت مع تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من النصوص واستخلاص أنماطها السردية، ومن ثم إعادة إنتاجها في أشكال جديدة. في هذا الإطار، يشير الباحث فرانكو موريتّي في كتابه "Distant Reading" إلى أن تحليل الأدب عبر البيانات الضخمة يتيح فهمًا جديدًا للبنى السردية يتجاوز القراءة التقليدية، وهو ما يفتح الباب أمام توليد نصوص تستند إلى هذه البنى المستخلصة.

تقوم الرواية المُولَّدة خوارزميًا على فرضية أساسية مفادها أن السرد، في جوهره، يمكن تفكيكه إلى وحدات قابلة للترميز: شخصيات، أحداث، علاقات، وأزمنة. وباستخدام نماذج لغوية متقدمة، يمكن إعادة تركيب هذه الوحدات في تشكيلات جديدة، كما يُعاد ترتيب قطع الفسيفساء لتشكيل لوحة مختلفة. وهنا، لا يكون الكاتب سوى مُصمّم للنظام، يضع القواعد ويترك للخوارزمية حرية التوليد ضمن حدود محددة. هذا التحوّل يذكّر بما طرحه رولان بارت في مقاله الشهير "موت المؤلف"، حيث دعا إلى تحرير النص من سلطة الكاتب، غير أن الخوارزميات تدفع بهذا التصوّر إلى أقصاه، إذ تُنتج نصوصًا قد لا يكون للكاتب فيها حضور مباشر.

غير أن هذا النموذج يطرح إشكاليات معرفية وجمالية معقّدة. فإذا كانت الخوارزمية تتعلّم من نصوص سابقة، فإنها تُعيد إنتاج أنماط مكرّسة، مما قد يؤدي إلى نوع من "التكرار المُقنَّع" بدل الابتكار الحقيقي. وهنا يبرز سؤال الأصالة: هل يمكن لنصٍّ مولَّد خوارزميًا أن يُعتبر إبداعًا، أم أنه مجرد إعادة تركيب لمدوّنة سابقة؟ يشير مارك فيشر في كتابه "Capitalist Realism" إلى أن الثقافة المعاصرة تعاني من عجز عن تخيّل الجديد خارج الأطر القائمة، وهو ما قد ينطبق على بعض أشكال الكتابة الخوارزمية التي تعيد إنتاج الماضي في هيئة مستقبلية.

في المقابل، تفتح رواية وسائل التواصل الاجتماعي أفقًا مختلفًا، حيث لا تقتصر العملية السردية على التوليد الآلي، بل تتوسّع لتشمل التفاعل الجماعي. في هذا النموذج، تتحوّل المنصات مثل Twitter وInstagram إلى مسارح سردية، حيث يُنشر النص على شكل مقاطع متتالية، ويتفاعل القرّاء مع الأحداث عبر التعليقات والإعجابات، بل وقد يساهمون في توجيه مسار القصة. هذا النمط من السرد ينسجم مع ما وصفه هنري جنكنز في كتابه "Convergence Culture"، حيث تتقاطع الوسائط المختلفة لتشكّل تجربة سردية تشاركية.

تتميّز رواية وسائل التواصل الاجتماعي بكونها سريعة الإيقاع، متقطّعة البنية، وقابلة للتحديث المستمر، وهو ما يعكس طبيعة الزمن الرقمي الذي نعيشه. فالنص هنا ليس كيانًا مغلقًا، بل كائنًا حيًّا يتطوّر مع كل تفاعل جديد، كما لو كان نهرًا تتغيّر مياهه باستمرار. هذا الشكل السردي يذكّر، من جهة أخرى، بالحكايات الشفوية التي كانت تتشكّل عبر التفاعل الجماعي، غير أنه يُعاد إنتاجه في فضاء رقمي عالمي، حيث يمكن لآلاف القرّاء أن يشاركوا في صياغة القصة.

غير أن هذا الانفتاح يحمل في طيّاته تحديات متعددة. فالتفاعل الجماعي قد يؤدي إلى فقدان التماسك السردي، حيث تتشتّت القصة بين اتجاهات مختلفة. كما أن خضوع النص لمنطق "الإعجاب" و"الانتشار" قد يدفع الكاتب إلى تبنّي استراتيجيات شعبوية، على حساب العمق الفني. في هذا السياق، يمكن استحضار تحليلات مانويل كاستلز في كتابه "Networks of Outrage and Hope"، حيث يشير إلى أن الشبكات الرقمية تعيد تشكيل أنماط التعبير، لكنها في الوقت ذاته تخضع لمنطق السوق والانتباه.

إن التقاطع بين السرد الخوارزمي ورواية وسائل التواصل الاجتماعي يكشف عن تحوّل أعمق في مفهوم الأدب. فبدل أن يكون النص منتجًا نهائيًا، يصبح عملية مستمرة، تتداخل فيها الآلة مع الإنسان، والفرد مع الجماعة. ويمكن تشبيه هذا التحوّل بلوحةٍ تتغيّر ألوانها مع كل نظرة جديدة، أو بمرآةٍ تعكس وجوهًا متعددة في آنٍ واحد. في هذا الإطار، لا يعود السؤال هو من يكتب، بل كيف يُنتج النص، ومن يشارك في تشكيله.

تدعم هذه التحوّلات دراسات حديثة في مجال الإنسانيات الرقمية، حيث يشير مقال منشور في مجلة "Digital Humanities Quarterly" إلى أن استخدام الخوارزميات في تحليل وتوليد النصوص يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأدب، لكنه يتطلّب أيضًا إعادة النظر في مفاهيم مثل المؤلف، والنص، والقارئ. كما تناول تقرير حديث لصحيفة The New York Times ظاهرة الروايات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أنها أصبحت تجذب ملايين القرّاء، خاصة بين الشباب، مما يدل على تحوّل في عادات القراءة.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الأدب الرقمي يعيش مرحلة انتقالية، تتداخل فيها الإمكانات التقنية مع الأسئلة الفلسفية. فبينما تتيح الخوارزميات إمكانات غير مسبوقة لتوليد النصوص، تظل مسألة المعنى والابتكار رهينة بقدرة الإنسان على توجيه هذه الأدوات. وبينما تفتح وسائل التواصل الاجتماعي المجال أمام مشاركة واسعة، يبقى التحدي في الحفاظ على جودة السرد وعمقه.

إن المستقبل الأدبي، في هذا السياق، لن يكون حكرًا على الكاتب الفرد، ولا على الآلة وحدها، بل سيكون نتيجة تفاعل معقّد بينهما، كما تتداخل الخيوط في نسيجٍ واحد. وربما يكون التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين الإبداع البشري والدقة الخوارزمية، بحيث لا تتحوّل الكتابة إلى مجرّد عملية حسابية، ولا تظل أسيرة النماذج التقليدية. هكذا، يتقدّم الأدب نحو أفقٍ جديد، حيث تصبح القصة فضاءً مفتوحًا، يتشكّل عند تقاطع الخيال والبيانات، كما تتشكّل النجوم في مجرّةٍ لا نهائية.


0 التعليقات: