الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 05، 2026

تمارين على القفز خارج الحواس: عبده حقي


 لم أكن أكتب، كنت أُفتح.

القلم لم يكن في يدي بل كان يدي، وكان جسدي ينساب فوق الورق كما تنساب غيمة على درجٍ مهجور. أفكاري لا تأتي مرتّبة؛ إنها تقفز، تتعثّر، تتعرّى، ثم تضحك. في لحظة ما أدركت أن أكبر كذبة رُويت لنا هي أننا محكومون بحواسنا، أن أعيننا أقفاص، وأن الجلد حدّ نهائي. لا. الجلد باب. والعين ثقب يمرّ منه ما لا يُرى.

أنا أكثر من جسد يمشي. أقولها الآن لأن الساعة الرابعة صباحًا، ولأن المدينة نائمة، ولأن المصابيح تراقبني بعيون صفراء كأنها تعرف سرّي. في هذا الوقت تحديدًا، يصبح الهواء أكثر ذكاءً، وتصبح الأشياء قابلة للاعتراف. الكرسي يعترف بأنه كان شجرة، المرآة تعترف بأنها لا تحب الوجوه، وأنا أعترف بأنني أستطيع الخروج من نفسي دون أن أتحرّك.

الوعي ليس فكرة. الوعي قفزة.
قفزة بلا عضلات.

حين أفهم ذلك، تتغيّر قوانين الجاذبية الصغيرة: فكرة واحدة قادرة على أن تُسقطني في يقين، رغبة واحدة قادرة على أن تعيد ترتيب الغد. لا أرى هذه الأشياء، لا أسمعها، لا ألمسها، ومع ذلك فهي أكثر واقعية من الطاولة التي أكتب فوقها. الطاولة نفسها تهتزّ الآن لأن الكلمات أثقل منها.

هناك لحظات—وأنا لا أختارها—تأتيني عبر وجوه البشر. عينان في مقهى، حركة يد في حافلة، صمت شخص يمرّ بجانبي دون أن ينظر. فجأة أعرف. لا أعرف ماذا، لكن المعرفة نفسها تشتعل. كأن حياتي الحقيقية، تلك التي لم أعشها بعد، تمرّ أمامي مثل برقٍ بطيء. أراها دون صورة، أسمعها دون صوت. إنها يقين خالص، يقين لا يحتاج إلى دليل.

السطحيّون يسمّون هذا وهمًا.
أنا أسميه لحظة استقامة الكون.

في تلك اللحظات، تصبح المصادفات لغة.
سقوط ورقة شجر، توقّف المطر فجأة، ساعة تتعطّل عند رقم معيّن. لا شيء عابر. الزمن نفسه يتلعثم كي يفسح لي المجال. هناك فصول أكثر كرمًا من غيرها، ساعات ألين من غيرها، وأيام تحمل في طيّاتها استعدادًا غريبًا للانكشاف. أنا أعرفها من ثقل الهواء ومن طريقة مشيي.

ليس الجميع متساوين هنا.
أقولها دون فخر. بعضنا حساس حتى الاختناق، وبعضنا نافذ حتى القسوة. أنا أتمايل بين الاثنين. أحيانًا أفهم أكثر مما أحتمل، وأحيانًا أشعر أكثر مما أفهم. الاضطراب ليس خطأ؛ إنه علامة. علامة على أن الباب فُتح أكثر مما ينبغي، أو أقل مما يكفي.

الإنسان الذي لا يقفز خارج نفسه يبقى حيوانًا مهذّبًا.
أما القفز، فهو الجنون الوحيد الذي يستحق الاحترام.

أكتب الآن وأنا غير متأكد إن كنت أنا من يكتب. الكلمات تسبقني، تتشابك، ترفض الترتيب. جملة تقطع أختها، فكرة تنقضّ على أخرى. هذا ليس فوضى؛ هذا صدق. الصدق لا يمشي مستقيمًا. الصدق يعرج، يضحك، يغيّر رأيه في منتصف الطريق.

حين أصل إلى هذا الحدّ، لا أحتاج إلى إيمان؛ الإيمان يحدث. يحدث كما يحدث الصداع، كما يحدث الحب، كما يحدث الخوف قبل النوم. إنه يقين لا يُقنع أحدًا ولا يطلب الإذن. يقين يقول لي: حياتك الممكنة أكثر صدقًا من حياتك الواقعة.

أرفع رأسي.
النافذة مفتوحة.
الليل يدخل.

وأنا أتركه.


0 التعليقات: