في صباحٍ رماديٍّ هادئ، بدا مشغل الأزياء في شارع «السنابل» كخلية نحلٍ لا تهدأ. الهواتف ترنّ، والمقصّات تلمع، وأصوات ماكينات الخياطة تبتلع القلق. عند العاشرة تمامًا، تلقّت صاحبة المشغل اتصالًا عاجلًا من زبونةٍ معروفة بنفوذها الاجتماعي، السيدة لينا القيسي. الفستان جاهز، لكن لا بدّ من تسليمه خلال نصف ساعة.
لم تجد صاحبة المشغل سائقًا متفرغًا، فاستدعت الخيّاطة هناء ربيع، امرأة هادئة الملامح، قليلة الكلام. ناولتها الطرد وأمرتها أن تأخذ سيارة أجرة وتعود سريعًا. لم تكن هناء تدري أن تلك الدقائق ستفصل حياتها إلى ما قبل وما بعد.
وصلت إلى بناية أنيقة
في شارع الزمرد. طرقت الباب، فُتح لها قليلًا، وسمعت صوتًا يأمرها بترك الطرد. لمحت
وجه السيدة لينا متجهّمًا على غير عادته. وبينما همّت بالمغادرة، سمعت صرخةً مكتومة
من الداخل، ثم سُحبَت فجأة إلى الشقة. يدان قاسيتان أحكمتا الطوق حول عنقها. حاولت
المقاومة، صرخت، خمشَت، ضربت بقدمَيها. ثوانٍ قليلة بدت دهرًا. صادف أن مرّت الجارة
نجلاء في الممرّ، فسمعت الاستغاثة واتصلت بالشرطة.
حين وصلت الدورية،
كانت هناء في حالة صدمة. نُقلت إلى المستشفى، آثار أصابع واضحة على عنقها، ونَفَسها
متقطّع. في الشقة، عُثر على السيدة لينا مقتولة، والدواليب مقلوبة، وصندوق مجوهرات
مفتوح وفارغ.
قاد التحقيقَ المفتش
سامي درويش. لم يكن هناك كسرٌ في الأبواب. استنتج أن القاتل دخل بإذنٍ منها. المجوهرات
المسروقة قُدِّرت بثروةٍ طائلة. زوجها السابق عادل القيسي طُرح اسمه سريعًا؛ الطلاق
حديث، والمال موضع نزاع، وموعد توثيق قانوني كان مقررًا في اليوم التالي.
غير أن الشاهدة الوحيدة—هناء—لم
تستطع وصف المعتدي. كانت تردّد: «رأيته… لكن الوجه يهرب». الأطباء أكّدوا صدمةً حادّة.
الوقت يمرّ، والقاتل يعرف أن الشاهدة حيّة.
ظهرت شخصية أخرى في
المشهد: جوهرة سليم، صديقة لينا المقرّبة وسكرتيرتها السابقة. امرأة لبقة، متماسكة،
تعرف خفايا الشركة وحساباتها. أقوالها دقيقة أكثر من اللازم. وأكدت أن عادل كان في
مكتبه وقت الجريمة، تشهد له سجلات الموظفين.
في المساء، وصل بلاغٌ
مقلق: رجلٌ ادّعى أنه من الشرطة حاول معرفة مكان هناء. الشكّ اشتدّ. وضع المفتش خطة
صامتة. سمح بتسريب خبرٍ صغير إلى الصحافة: «الذاكرة قد تعود فجأة».
في تلك الليلة، عاد
الرجل نفسه متخفّيًا إلى جوار منزل هناء. أُلقي القبض عليه متلبّسًا. اسمه وليد بركات،
صاحب سوابق، مأجور. تحت الضغط، انهار سريعًا. قال إن من حرّضه امرأةٌ «أرادت كل شيء
دفعة واحدة»: الزوج، الشركة، والمجوهرات. اسمها… جوهرة سليم.
واجهها المفتش بالأدلة.
حاولت الإنكار، ثم اعترفت. كانت تخشى أن تفقد نفوذها بعد الطلاق، وأن يخرج المال من
يد من تحب. أرادت إسكات لينا، ثم الشاهدة. أما عادل، فلم يعلم شيئًا.
في الصباح، استعادت
هناء جزءًا من ذاكرتها. نظرت إلى صورة وليد وقالت بهدوءٍ مرتجف: «هذا هو». أُغلقت الدائرة.
سقطت الأقنعة، وبقي الفستان شاهدًا صامتًا على
جريمةٍ خيطت بخيوط
الطمع.
وهكذا، لم يكن «فستان
الدم الأخير» قطعة قماش، بل مرآةً لوجوهٍ تزيّنت بالنعومة وأخفت أنيابها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق