في حواره الإعلامي الأخير، حاول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون رسم صورة وردية لسياسة خارجية جزائرية منسجمة ومتصالحة مع محيطها العربي، مدّعياً أن علاقات بلاده “جيدة مع كل الدول العربية باستثناء دويلة واحدة”. غير أن هذا الخطاب، عند تفكيكه سياسياً ودبلوماسياً، لا يصمد أمام الوقائع، بل يكشف عن مفارقات صارخة بين القول والممارسة، وعن أزمة سردية تعيشها الدبلوماسية الجزائرية في محيط عربي وإقليمي يتغير بسرعة.
اختيار تبون لعبارة “دويلة واحدة” من دون تسميتها ليس بريئاً لغوياً ولا دبلوماسياً. هو أسلوب إيحائي يهدف إلى شيطنة الخصم من دون تحمّل كلفة التسمية المباشرة، في حين أن الجميع يدرك أن المقصود هو المغرب. هذا الأسلوب، الذي يراهن على الغموض، يعكس في العمق حرج الخطاب الجزائري أمام واقع عزلة سياسية متنامية، لا أمام “مؤامرة” خارجية مزعومة.
إشادة تبون بعلاقات الجزائر مع السعودية ومصر والكويت وقطر تبدو، في ظاهرها، محاولة لإظهار الجزائر كجزء من إجماع عربي. غير أن المتابع لمسار الدبلوماسية الجزائرية يلاحظ أن هذه العلاقات، رغم بقاء قنواتها مفتوحة، لا ترقى إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية العميقة. فهي علاقات بروتوكولية أكثر منها مشاريع سياسية واقتصادية مشتركة، وغالباً ما تتأثر بتباينات حادة في المواقف من قضايا إقليمية كبرى.
استحضار الرئيس الجزائري للعلاقة مع مصر، وتوصيفه للرئيس عبد الفتاح السيسي بـ“الأخ”، ثم العودة إلى وقائع تاريخية من ستينيات القرن الماضي، يكشف عن نزعة نوستالجية في الخطاب الجزائري: استدعاء أمجاد الماضي لتعويض ارتباك الحاضر. فالعلاقات الدولية لا تُدار اليوم بمنطق “من ساعد من سنة 1963”، بل بميزان المصالح والتنسيق الواقعي، وهو ما تغفله المقاربة الجزائرية الحالية.
في المقابل، تعتمد السياسة الخارجية المغربية على مبدأ الوضوح والاتساق: لا ازدواجية خطاب، ولا استثمار مرضي في العداء. المغرب بنى خلال السنوات الأخيرة شبكة علاقات عربية وإفريقية ودولية متينة، قائمة على التعاون الاقتصادي، والاستثمار، والأمن المشترك، واحترام سيادة الدول. هذه المقاربة جعلت الرباط فاعلاً موثوقاً، لا طرفاً مثيراً للتوتر.
الاستثناء الوحيد في العلاقات المغربية–العربية هو الموقف الجزائري نفسه، لا بسبب خلاف ثنائي تقليدي، بل بسبب إصرار الجزائر على دعم جبهة البوليساريو، وهي حركة مسلحة انفصالية تناهض وحدة المغرب الترابية، وتعمل خارج منطق الدولة والقانون الدولي. هذا الدعم لا يضع الجزائر في مواجهة المغرب فقط، بل في تعارض مع منطق الاستقرار الإقليمي الذي تتبناه أغلب الدول العربية.
تبون شدد في حديثه على أن الجزائر “لا تفرض شروطاً على علاقات الدول”، مستشهداً بموريتانيا ومالي. لكن هذا الادعاء يصطدم مباشرة بحقيقة التدخل الجزائري العميق في ملف الصحراء المغربية، سياسياً ومالياً وعسكرياً. فكيف يمكن لدولة أن ترفع شعار “عدم التدخل” وهي الطرف الرئيسي في نزاع إقليمي مفتعل منذ عقود؟
المغرب، على النقيض، يطرح مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي يحظى بدعم عربي ودولي متزايد، في حين تظل الجزائر أسيرة مقاربة أيديولوجية تعود إلى منطق الحرب الباردة، وتُعطّل أي أفق لتسوية نهائية.
ما يكشفه حوار تبون ليس قوة الدبلوماسية الجزائرية، بل أزمتها. أزمة خطاب يكثر فيه التلميح ويغيب عنه الاعتراف بالواقع، وأزمة رؤية ما زالت تبحث عن شرعية خارجية عبر افتعال خصومات. في المقابل، تواصل الدبلوماسية المغربية عملها بهدوء، مستندة إلى الشرعية التاريخية والقانونية، وإلى شبكة تحالفات عربية ودولية ترى في المغرب شريكاً للاستقرار لا مصدراً للتوتر.
وبينما يراكم المغرب مكاسبه الدبلوماسية بثبات، يزداد الخطاب الجزائري انغلاقاً على ذاته، أسير سردية قديمة لم تعد تقنع حتى أقرب المتابعين. هنا، لا يبدو الخلاف خلاف “دويلة” مع دولة، بل صداماً بين دبلوماسية واقعية تنظر إلى المستقبل، وخطاب أيديولوجي عالق في الماضي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق