عاد في الأيّام الأخيرة اسم قَصْر إيش في إقليم فكيك، على التخوم الشرقيّة للمملكة المغربية ، إلى الواجهة بوصفه اختبارًا جديدًا لمعنى السيادة وحدود ضبط النفس. ليست الحكاية مجرّد “واقعة حدودية” عابرة تُطوى ببلاغٍ مقتضب، بل هي مرآة مكبّرة تُظهر الفارق بين سياسةٍ مغربيةٍ تُدير التوتر بعقل الدولة، وبين مناوشاتٍ جزائريةٍ تُدار بمنطق الاستفزاز وإنتاج الضجيج كلّما ضاقت الخيارات وتعثّر الخطاب في الداخل والخارج.
قصر إيش ليس عنوانًا
إعلاميًا طارئًا؛ إنّه فضاءٌ أهليٌّ زراعيٌّ صغير، وحياةُ ناسٍ يكدحون في بساتينهم
ويتعلّقون بالماء والتراب كما يتعلّق القلب بنبضه. وحين تمتدّ اليد العسكرية اللئيمة
إلى هذا النوع من الفضاءات—مهما كانت الذريعة—فإنّ الرسالة لا تكون أمنيةً بقدر ما
تكون سياسيةً صِرفة: رسالةُ قياس ردّ الفعل، ورسالةُ قول “نحن هنا”، ورسالةُ تسويق
بطولةٍ مجانية على حساب مزارعين ومسالك عيشٍ هشّة أصلًا.
في المقابل، يقرأ المغرب
هذه الوقائع بعينٍ أوسع من عين الحدود. يقرأها بوصفها جزءًا من سياقٍ إقليميٍّ متوتر،
وبوصفها محاولةً لإعادة ترتيب أوراقٍ فقدت جاذبيتها. لذلك لم يجرّ البلاد إلى حفلةِ
صراخٍ رسميّ، ولم يحوّل الواقعة إلى سُلّمٍ للانفعال الشعبويّ. وهذا—على قسوته على
الأعصاب—هو عين الرصانة: الدولة التي تُمسك أعصابها حين تُستفَزّ، أقوى من الدولة التي
ترفع صوتها حين تُحرَج.
إنّ السياسة المغربية
في إدارة الملفات الشائكة—ومنها الجوار الشرقي—لا تُبنى على الاستعراض، بل على ثلاث
ركائز واضحة: تثبيت السيادة ميدانيًا وقانونيًا، حماية المواطنين ومصالحهم دون تهويل،
ثم تحويل التوتر إلى ورقةٍ دبلوماسيةٍ تُقرأ في عواصم القرار بصفته “سلوك دولة” لا
“اندفاع نظام”. لذلك نرى أن المؤسسة المغربية—مهما اختلف الناس معها في التفاصيل—تتحرّك
بمنطق التوازن بين الردع والتهدئة: لا تفريط في الأرض، ولا انجرارٌ إلى ما يُراد لها
أن تنجرّ إليه.
أمّا السلطات الجزائرية—وخاصة
حين يتقدّم منطق الثكنة على منطق السياسة—فتبدو وكأنها تُفضّل “المناوشة” على “الحل”،
و“الاحتكاك” على “التنسيق”، و“إنتاج الحادث” على “تصفير الأسباب”. وحين تُطلق النار
في الهواء أو تُستعرض التحركات قرب حقول الناس البسطاء ومساكنهم، فإنّ السؤال البسيط
يصبح محرِجًا: من المستفيد؟ هل يُؤمّن ذلك الحدود فعلًا؟ أم يُؤمّن فقط مادةً إعلاميةً
لاستهلاكٍ داخليٍّ عاجل؟ وهل تُدار الحدود كحدود بين دولتين جارتين، أم كخشبة مسرحٍ
لإقناع جمهورٍ مُنهك بأنّ الخطر دائمًا “من الخارج”؟
الأخطر من الواقعة
نفسها هو منهج إنتاج الوقائع. حين تتحول الحدود إلى مسرح رسائل، تصبح حياة الناس تفصيلًا،
ويصبح القانون الدولي مجرّد ديكور، وتصبح اللغة السياسية أسيرة قاموسٍ واحد: التحدّي،
التهديد، التشكيك، ثم إعادة التدوير. وهذا بالضبط ما يجعل مناوشات من هذا النوع تُقرأ
كجزء من استراتيجية توتير منخفضة الكلفة: تُربك الخصم دون أن تفتح حربًا شاملة، وتُنعش
خطابًا داخليًا دون أن تُصلح اقتصادًا أو تُطلق حريات، وتُلهي عن الأزمات دون أن تقدّم
حلولًا.
المغرب، في المقابل،
يربح بالنفس الطويل لا بالصوت العالي. يربح لأنّه يربط السيادة بالتنمية: يُرمّم الأطراف،
يربطها بالطرقات والبنيات، ويُحوّل الحدود من “هامش” إلى “واجهة”. ويعرف أن المعركة
الحديثة ليست معركة رصاصةٍ طائشة، بل معركة صورة دولة: دولةٌ مسؤولة تُدير الاختلافات
بمنطق المؤسسات. لهذا تبدو الاستفزازات—مهما أزعجت—أقل قدرة على كسر الميزان المغربي،
لأن بلادنا لا تبني خياراتها على ردّ الفعل، بل على تراكماتٍ دبلوماسيةٍ وعملٍ ميدانيٍّ
متدرّج.
لا يعني هذا أن المغرب
“يتسامح” مع الاستفزاز، ولا أن الحدود “متروكة”. بل يعني أن الردّ يُصمَّم بعقلٍ بارد:
إغلاق منافذ الالتباس، حماية السكان، توثيق الوقائع، وتفادي منح المستفِزّ ما يطمع
فيه: فوضى العناوين. فحين يجرّك الخصم إلى حلبةٍ يختارها هو، فقد ربح نصف المعركة قبل
أن تبدأ. وحين ترفض الحلبة وتُحسن إدارة الموقف، فأنت تُربك خطته وتُظهر هشاشتها.
إنّ المغرب—في لحظة
قصر إيش—قدّم درسًا إضافيًا في الدولة التي تفهم أن الهيبة لا تُقاس بالصراخ. الهيبة
تُقاس بالقدرة على تطويق الأزمة، وبمنعها من التحول إلى كرة ثلج، وبإرسال رسالة هادئة
ولكنها واضحة: حدودنا ليست ورقة لعب، ومواطنونا ليسوا موضوعًا للتجريب.
أمّا الجزائر، فإنّها
تحتاج—إن أرادت فعلًا مصلحة المنطقة—إلى أن تُبدّل أدواتها: من سياسة “الخصومة الدائمة”
إلى سياسة “إدارة الجوار”، ومن وهم الانتصار الإعلامي إلى حقيقة التنمية، ومن منطق
الاستفزاز إلى منطق الاتفاقات الواضحة. لأنّ الجغرافيا لا تُلغى، والحدود لا تمحو التاريخ،
والعداوة لا تُنتج خبزًا ولا ماءً ولا كرامة.
وبين رصانة الرباط
ومناوشة الجزائر، تظهر الحقيقة التي يعرفها أهل الحدود قبل غيرهم: الدول الكبيرة ليست
تلك التي تفتعل الأزمات، بل تلك التي تملك شجاعة إطفائها دون أن تتنازل عن حقوقها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق