الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

لماذا يتجاوز قطار الحكم الذاتي مناورات "البوليساريو"؟ عبده حقي


في الأسابيع الأخيرة، تكاثرت عناوين وتصريحات صادرة عن منصّات وهيئات مرتبطة بجبهة البوليساريو، تهاجم الشراكة المغربية-الأوروبية وتستند إلى خطاب قانوني وسياسي يكرّر أطروحات قديمة حول الصحراء المغربية. غير أنّ قراءة تحليلية هادئة لهذه العناوين، في ضوء التحولات الدولية والإقليمية، تكشف أكثر مما تخفي، وتُبرز في المقابل تماسك الرؤية المغربية، وواقعية مقترح الحكم الذاتي، وعزلة الخطاب الانفصالي المتزايدة.

منذ سنوات، تحاول المنابر الدعائية المحسوبة على البوليساريو تصوير العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي باعتبارها علاقة “خارجة عن الشرعية”، متذرعة بأحكام صادرة عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي. لكن هذا الطرح يتجاهل عمداً الفرق الجوهري بين التأويل القانوني المجتزأ، وبين القرار السياسي السيادي الذي تتخذه الدول والمؤسسات على أساس المصالح الاستراتيجية والاستقرار الإقليمي. فالاتحاد الأوروبي، بوصفه فاعلاً سياسياً واقتصادياً، لم يجمّد شراكته مع المغرب، ولم يتراجع عن اعتبار الرباط شريكاً موثوقاً في قضايا الهجرة، والأمن، والطاقة، والتنمية، بل على العكس، عزّز هذه الشراكة في سياق دولي مضطرب.

اللافت في العناوين الصادرة عن ما يُسمّى “المنظمات الصحراوية” هو إصرارها على خطاب “الاحتلال” و”النضال حتى الاستقلال”، وكأن الزمن لم يتحرك منذ سبعينيات القرن الماضي. هذا الخطاب، الذي يُعاد إنتاجه بعبارات متشابهة، لم يعد يقنع حتى جزءاً من الرأي العام الدولي، لأنه يصطدم بواقع ميداني مختلف تماماً: أقاليم جنوبية تشهد استثمارات كبرى، وبنية تحتية حديثة، ومشاركة سياسية واسعة للسكان في المؤسسات المنتخبة، ضمن نموذج تنموي تشهد به تقارير دولية مستقلة.

في هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي المغربي كخيار واقعي ومتوازن، لا يقوم على الإلغاء أو الإقصاء، بل على تمكين ساكنة الصحراء من تدبير شؤونهم المحلية، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية. هذا المقترح، الذي حظي بدعم متزايد من دول وازنة، لم يأتِ كردّ فعل ظرفي، بل هو ثمرة تفكير دستوري وسياسي عميق، ينسجم مع التجارب المقارنة في إدارة النزاعات الترابية عبر حلول وسط، تحفظ الاستقرار وتفتح أفق التنمية.

محاولات الضغط التي تقودها الجزائر، عبر لوبيات محدودة داخل أوروبا، لم تفلح في تغيير هذا المسار. فالعناوين التي تتحدث عن “فشل التحالف بين الاتحاد الأوروبي والمغرب” سرعان ما تنقضها الوقائع الدبلوماسية، وآخرها المواقف الأوروبية التي باتت تتعامل مع الحكم الذاتي كأساس جدي وذي مصداقية لتسوية النزاع. هذا التحول لا يعكس فقط قناعة سياسية، بل أيضاً إرهاقاً أوروبياً من نزاع طال أمده، ولم تنتج عنه سوى مخيمات مغلقة، وخطاب متكلس، ومعاناة إنسانية تُستثمر سياسياً.

أما الجدل حول وضع علامات المنشأ على المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية، فيكشف بدوره مفارقة واضحة: فالمنظمات الداعية إلى “حماية الموارد” تتجاهل أن هذه الموارد تُستثمر فعلياً لفائدة الساكنة المحلية، ضمن مشاريع تنموية تخضع لرقابة مؤسسات وطنية ودولية، بينما تُهدر في المقابل المساعدات الإنسانية في مخيمات تندوف، دون أي شفافية أو مساءلة.

في مقابل هذا الضجيج الدعائي، جاء الخطاب المغربي الرسمي، كما عكسته التصريحات والبيانات الأخيرة، هادئاً ومتزناً، يربط قضية الصحراء بسياقها الوطني والأفريقي، ويؤكد أن الوحدة الترابية ليست شعاراً عاطفياً، بل مشروع دولة، يقوم على التنمية، والاستقرار، والانفتاح. هذا الهدوء ليس ضعفاً، بل تعبير عن ثقة سياسية، وعن إدراك بأن الزمن لم يعد زمن الشعارات، بل زمن الحلول العملية.

خلاصة القول إن تتابع هذه العناوين، رغم حدّتها، يؤكد حقيقة واحدة: الخطاب الانفصالي يعيش أزمة أفق، ويعيد إنتاج نفسه دون أثر ملموس، في حين يراكم المغرب نقاط قوة دبلوماسية واقتصادية، ويقدّم عبر الحكم الذاتي نموذجاً قابلاً للحياة، يحظى بدعم متزايد، لأنه يخاطب منطق القرن الحادي والعشرين، لا أوهام الماضي.

0 التعليقات: