الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 08، 2026

حصيلة الأسبوع الثقافي والفني في المغرب : إعداد عبده حقي


من الأحد 1 فبراير 2026 إلى اليوم الأحد 8 فبراير 2026، بدا المشهد الثقافي والفني في المغرب كأنه “مؤشّر حسّاس” لأسئلة أعمق من الترفيه: علاقة المدينة بثقافتها، علاقة التلفزة بذوق الجمهور، علاقة الموسيقى بالشباب، ثم علاقة الذاكرة الفنية بفكرة الاستمرار بعد الغياب. فيما يلي حصيلة أسبوعٍ واحد، لكنّه كثيف الدلالات، مع عناوين لكل حدث، وتحليلٍ مستقل يضيء ما وراء الخبر.

1) مكناس تُعيد تثبيت البوصلة

العنوان: فيكام 24… التحريك يفاوض المستقبل باسم الشباب
إعلان تنظيم الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان سينما التحريك بمكناس (15–20 ماي 2026) لا يندرج في خانة “أجندة مهرجانات” عادية؛ لأن فيكام صار، عبر تراكمه، أشبه بمختبر يختبر قدرة المغرب على تحويل الثقافة إلى صناعة، لا إلى احتفال موسمي فقط. حين يختار مهرجان التحريك في لحظة عالمية تميل إلى اقتصاد المحتوى والمنصات، فهو يراهن ضمنيًا على سؤال التشغيل والتكوين: كيف نُحوّل الشغف إلى مهنة، والموهبة إلى مسار، والمدينة إلى بيئة حاضنة لا عابرة؟

قوة الحدث ليست في تاريخه فحسب، بل في ما يقترحه من “سردية”: التحريك اليوم لم يعد هامشًا سينمائيًا، بل لغة تَصلُح للفيلم واللعبة والإعلان والتعليم. وفي بلدٍ يطمح إلى اقتصاد إبداعي، يصبح فيكام مساحة تفاوض بين المدرسة والسوق، بين الفن والتكنولوجيا، وبين المحلية وشبكات التعاون الدولي. والرهان الأكبر هنا هو ألا يظل التحريك مُستهلكًا داخل الشاشة، بل أن يتحوّل إلى “مخبر وطني” لصناعة الخيال بوصفه قيمة اقتصادية وثقافية معًا.

2) رحيلٌ يفتح ملفّ الذاكرة المهنية

العنوان: وداع محمد عهد بنسودة… سؤال: ماذا نفعل بإرث السينمائيين؟
خبر وفاة المخرج والسيناريست المغربي محمد عهد بنسودة (4 فبراير 2026) لم يمرّ كخبر نعيٍ عابر، لأن خسارة الأسماء الفنية في المغرب تُعيد دائمًا طرح السؤال المؤلم: هل نملك “نظام ذاكرة” يحفظ الأثر ويحوّله إلى مادة تعليمية وأرشيف متاح، أم نكتفي بحزنٍ سريع يبهت أمام دورة الأخبار؟ رحيل مبدع في منتصف العمر تقريبًا يعيدنا إلى هشاشة شروط الإنتاج، وإلى ضغط المهنة التي تُستهلك فيها الطاقة بين التمويل والانتظار والتوزيع وطقوس العرض.

القيمة التحليلية للحدث ليست في التباكي، بل في التنبيه إلى أن السينما لا تعيش بالأفلام وحدها، بل بالبنية المحيطة بها: نقدٌ جاد، قاعات، منصات عرض وطنية، تعليم بصري، وتوثيق يُخرج التجربة من “الانطباع” إلى “المعرفة”. لحظات الرحيل تصلح—إن أحسنّا قراءتها—لاستعادة النقاش حول حقوق المبدعين، وحول صناديق الدعم، وحول كيف تتحوّل سيرة المخرج إلى درسٍ للأجيال لا إلى خبرٍ مؤقت.

3) التلفزة تستبق رمضان… وصراع “العادة” و”التجديد”

العنوان: شبكة رمضان 2026… هل تصنع القنوات ذوقًا أم تتبعه؟
كشف البرمجة الرمضانية للقناة الثانية خلال هذا الأسبوع ليس تفصيلًا تقنيًا؛ لأن رمضان في المغرب موسمٌ يعيد ترتيب العلاقة بين الجمهور والشاشة، ويختبر قدرة التلفزة على الجمع بين الشعبية والجودة. في كل سنة تُطرح الإشكالية نفسها: هل تكتفي القناة بإعادة تدوير وصفات مضمونة (كوميديا خفيفة، دراما سريعة، مسابقات)، أم تحاول المغامرة بمواضيع تُشبه المجتمع فعلًا، وتُراهن على كتابة أقوى وإخراج أكثر حساسية؟

القراءة الأعمق لبرمجة رمضان تتجاوز “ما سيُعرض” إلى “ما الذي يعنيه هذا العرض”: حين تُخصّص القنوات مساحات للترفيه، فهي ترسم حدود المزاج العام وتوجّه لغة البيت. وحين تضع أعمالًا درامية عن الصعود الاجتماعي أو الغيرة أو المكائد، فهي—بوعي أو بدونه—تعيد إنتاج تمثلات عن المرأة والنجاح والطبقة. لذلك ليست البرمجة مجرد جدول، بل خطاب ثقافي يومي. والنجاح الحقيقي هنا لا يقاس فقط بنسبة المشاهدة، بل بقدرة الأعمال على خلق نقاش عام، وتقديم كتابة تُحترم، وفتح نافذة على مغربٍ متنوع لا على صورة نمطية سهلة الهضم.

4) موسيقى تتغيّر… والشباب يفاوض هوّيته الصوتية

العنوان: “Big Bang” لنصر مكري… ألبوم كعلامة انتقال لا كمنتَج
إطلاق ألبوم جديد لفنان معروف بتجريبه وتقاطعاته الأسلوبية يبدو، للوهلة الأولى، خبراً فنياً عادياً؛ لكنه في العمق مؤشر على تحوّل الذائقة المغربية: تداخل الأنماط، انفتاح على لغات موسيقية مختلفة، وإصرار على مخاطبة جيل لا يرى تناقضًا بين الروك والراب والبوب داخل العمل نفسه. هذه الهجنة ليست “موضة” فقط؛ إنها تعبير عن مجتمع يعيش تعدد الهويات داخل المدينة الواحدة وداخل الهاتف الواحد.

المهم في مثل هذا الحدث هو قراءة الفن بوصفه مساحة تفاوض اجتماعي: حين يغنّي الفنان موضوعات معاصرة ويختبر أشكالًا جديدة، فهو يقترح طريقة أخرى لقول الواقع—لا عبر المقال السياسي ولا عبر الخطابة، بل عبر الإيقاع والصوت والصورة. وهنا يظهر سؤال الصناعة الموسيقية: هل نملك منظومة توزيع وإنتاج تُنصف التجارب الجريئة، أم تُكافئ فقط ما ينسجم مع السوق السريع؟ الألبومات الجديدة تُقاس أيضًا بما تفتحه من أبواب أمام حفلات حيّة، وتعاونات، وتكوين لجمهور يطلب “معنى” داخل المتعة.

5) المسرح يعود إلى جذوره… كي يربح الحاضر

العنوان: “الحراز”… الفُرجة الشعبية تتحوّل إلى موقف جمالي
الحديث عن عرض “الحراز” بوصفه فرجة متأصلة في التراث المغربي يذكّرنا بأن المسرح، كلما ضاق عليه زمن المنصات واللقطات السريعة، عاد إلى الحلقة والملحون والسخرية الذكية كي يستعيد قوته. ما يهم هنا ليس الاحتفاء بالماضي على طريقة النوستالجيا، بل تحويل التراث إلى طاقة معاصرة: التراث ليس قطعة متحف، بل “أداة بناء” تُعلّم المسرح الاقتصاد في الحوار، والاشتغال على الإيقاع، وخلق تواطؤ جميل مع الجمهور.

في العمق، هذا الحدث يطرح سؤال السياسة الثقافية: لماذا تظل الفرجات الشعبية أحيانًا محاصرة بين صورتين متناقضتين—إما فولكلور سطحي للسياح، أو مادة “قديمة” لا تناسب الشباب؟ بينما الحقيقة أنها لغة حيّة يمكن تحديثها بذكاء، لتصبح جسراً بين المدينة وذاكرتها، وبين المسرح والنّاس. حين ينجح العرض في تركيب المسموع والمرئي، فهو يذكّر بأن الجمالية ليست ترفاً؛ إنها طريقة لفهم الذات جماعيًا.

6) الجديدة تجرّب المجهول الجميل

العنوان: مهرجان فنون السيرك… إعلانٌ عن حقّ المدينة في الدهشة
الإعلان عن مهرجان لفنون السيرك في الجديدة (منتصف فبراير) يكتسب أهميته من كونه يوسّع معنى الثقافة خارج المركزيات المعتادة. السيرك ليس مجرد ألعاب بهلوانية؛ إنه فن الجسد والانضباط والخطر المحسوب، وهو مدرسة في العمل الجماعي. مدينة تُراهن على فن مثل هذا تقول ضمنياً: نريد ثقافة تُشاهَد وتُعاش في الشارع والقاعة، لا في النخبة وحدها.

والقراءة الأعمق هنا أن تنويع الفنون يخلق تنويعًا في الجمهور: المسرح يجذب شريحة، والسينما أخرى، والسيرك يفتح الباب للأطفال والعائلات ولمن لا يقرأون البيانات الثقافية أصلاً. بهذا المعنى، المهرجانات تُقاس بقدرتها على توسيع “الحق في الثقافة”، لا فقط بإنتاج الصور التذكارية.

7) الثقافة والبيئة… تقاطع يزداد ضرورة

العنوان: يوم الأراضي الرطبة… التراث الطبيعي جزء من الهوية
أن يُحتفى بيوم دولي للأراضي الرطبة مع ربطه بالمعرفة التقليدية والتراث الثقافي يذكّر بأن الثقافة ليست أدبًا وفنًا فقط، بل علاقة الإنسان بمحيطه. حين تتكلم المؤسسات عن الوعي البيئي، فهي تمسّ أيضًا سرديات المدن الساحلية والقرى: الماء، الصيد، النباتات، العادات، والأمثال الشعبية. هنا يصبح “التراث” ليس ما نعلّقه على الجدران، بل ما نحميه على الأرض.

هذا النوع من الأحداث مهم لأنه يردم هوّة قديمة بين الثقافة بوصفها ترفًا، والبيئة بوصفها شأنًا تقنيًا. في الواقع، حماية الطبيعة تحتاج خيالًا اجتماعيًا، والخيال تصنعه الثقافة.


0 التعليقات: