الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 08، 2026

حصيلة أسبوع في سباق العقول الاصطناعية: إعداد عبده حقي


قراءة تحليلية في أداء أبرز أدوات الذكاء الاصطناعي العالمية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية مساعدة، بل تحوّل إلى فاعل مركزي في الاقتصاد الرقمي، والإعلام، والمعرفة، وحتى في تشكيل الرأي العام. الأسبوع الماضي قدّم صورة مكثفة عن هذا التحوّل، حيث تباينت استراتيجيات الشركات الكبرى بين التوسّع، والتحصين، والمغامرة، وأحياناً الارتباك. فيما يلي قراءة مفصّلة لأداء أبرز الأدوات.

ChatGPT

من الريادة إلى إدارة المنافسة

لا يزال ChatGPT يحتفظ بموقعه كأكثر أدوات الذكاء الاصطناعي استخداماً على المستوى العالمي، خصوصاً في الكتابة، التحليل، التعليم، والإبداع اللغوي. غير أن الأسبوع الماضي كشف بوضوح أن OpenAI لم تعد في موقع “المنفرد بالساحة”، بل أصبحت في مرحلة الدفاع الذكي عن الريادة.

اللافت هو تركيز ChatGPT على تحسين جودة النماذج وتعددها بدل الاكتفاء بالقفزات الاستعراضية. هذا التوجه يعكس وعياً بأن المعركة لم تعد على “من الأذكى”، بل على “من الأكثر استقراراً، وثقة، وقابلية للاستخدام اليومي”. في المقابل، يواجه ChatGPT ضغطاً متزايداً من أدوات تبحث في الوقت الحقيقي، ومن نماذج تُسوّق نفسها على أنها أكثر “تحرراً” أو “أقل قيوداً”.

Copilot

الذكاء الاصطناعي كموظف داخلي

يواصل Copilot ترسيخ موقعه كأداة إنتاجية مؤسسية بامتياز. قوته لا تكمن في إثارة الجدل أو جذب المستخدم العادي، بل في الاندماج العميق داخل منظومة Microsoft: من Word وExcel إلى بيئات البرمجة.

الأسبوع الماضي لم يشهد إعلانات صاخبة حول Copilot، لكن هذا الصمت بحد ذاته دالّ. فالأداة تعمل وفق منطق “التحسين المستمر غير المرئي”، مستهدفة الشركات والمؤسسات أكثر من الأفراد. Copilot هنا لا ينافس ChatGPT في الخيال، بل ينافسه في الاعتماد اليومي داخل المكاتب.

Google Gemini

استعادة الثقة بعد سنوات من التردد

Gemini يمثّل محاولة Google الجدية لتدارك تأخرها النسبي في سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي. الأسبوع الماضي أكد أن Google اختارت استراتيجية التراكم البطيء: تحسين البحث، دمج الذكاء الاصطناعي في خدماتها الأساسية، وتقديم نموذج أكثر اتصالاً بالويب.

قوة Gemini تكمن في الوصول المباشر إلى بنية Google المعلوماتية، وهو ما يمنحه أفضلية في التحديث اللحظي والبحث السياقي. غير أن التحدي الحقيقي ما زال يتمثل في إقناع المستخدمين بأن Gemini ليس مجرد “نسخة Google من ChatGPT”، بل رؤية مختلفة للذكاء الاصطناعي.

Apple Intelligence

ذكاء اصطناعي بملامح آبل: هادئ، مغلق، وفعّال

Apple Intelligence دخل المشهد بهدوء، لكن بثقل رمزي كبير. فلسفة Apple واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس عرضاً مستقلاً، بل وظيفة مدمجة في الجهاز نفسه. الأسبوع الماضي عزّز هذا التوجه من خلال الحديث عن توسيع التكامل مع النظام البيئي لآبل.

القوة هنا ليست في النموذج بحد ذاته، بل في التحكم الصارم بالخصوصية، والبيانات، وتجربة المستخدم. Apple لا تسابق الآخرين في عدد الميزات، بل تراهن على الثقة، وهو رهان طويل النفس لكنه شديد التأثير.

Claude

الذكاء الاصطناعي الأخلاقي… هل يكفي؟

Claude يقدّم نفسه كبديل “أكثر أماناً وأخلاقية”، وهو خطاب لاقى صدىً خاصاً لدى الأكاديميين، والكتاب، والمؤسسات الحسّاسة. الأسبوع الماضي شهد تعزيز هذا الخط عبر تحسين قدرات التحليل الطويل، وفهم المستندات المعقدة.

لكن التحدي أمام Claude يتمثل في تحويل التفوق الأخلاقي إلى ميزة سوقية. فالسوق لا يكافئ دائماً النموذج الأكثر حذراً، بل الأكثر استخداماً. ومع ذلك، يبدو أن Anthropic تراهن على المستقبل التنظيمي، حيث ستصبح الأخلاقيات شرطاً لا خياراً.

DeepSeek

نموذج صيني في عالم منقسم

DeepSeek يواصل التقدم بهدوء، مستفيداً من البيئة التقنية الصينية ومن رغبة عدد من الدول في بدائل غير غربية. الأسبوع الماضي أعاد تسليط الضوء على DeepSeek في سياق النقاش حول السيادة الرقمية.

القوة التقنية حاضرة، لكن التحديات السياسية والتنظيمية تظل حاسمة. DeepSeek ليس مجرد أداة، بل جزء من صراع جيوتقني عالمي حول من يملك الذكاء الاصطناعي، ومن يضع قواعده.

Perplexity

البحث يعود إلى الواجهة

Perplexity يقدّم نموذجاً مختلفاً: ذكاء اصطناعي لا “يؤلف” بقدر ما يبحث، يلخّص، ويُحيل إلى المصادر. الأسبوع الماضي عزّز مكانته كأداة مفضّلة للصحفيين والباحثين.

في عالم يعاني من التضليل والهلوسة، يراهن Perplexity على الشفافية والمنهجية. قد لا يكون الأكثر شعبية، لكنه من أكثر الأدوات انسجاماً مع منطق المعرفة القابلة للتحقق.

Grok

الحرية المطلقة… وسؤال المسؤولية

Grok يظل الأداة الأكثر إثارة للجدل. الأسبوع الماضي أعاد طرح الأسئلة نفسها: هل يمكن لذكاء اصطناعي “غير مفلتر” أن يكون مفيداً دون أن يصبح خطراً؟

قوة Grok تكمن في كسر القيود التقليدية، لكنه يدفع ثمن ذلك عبر انتقادات تنظيمية وأخلاقية متزايدة. Grok هنا ليس مجرد أداة، بل اختبار حي لحدود الحرية في الذكاء الاصطناعي.

خاتمة:

من الذكاء إلى السياسة

حصيلة الأسبوع الماضي تؤكد أن المنافسة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية، أخلاقية، واقتصادية. لم نعد نسأل: من الأذكى؟
بل:

  • من الأكثر أماناً؟

  • من الأكثر اندماجاً في حياتنا؟

  • ومن يملك القدرة على الصمود حين تبدأ القوانين في التضييق؟

الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة النضج القَلِق، حيث السرعة لم تعد كافية، والضجيج لم يعد مضمون النتائج.


0 التعليقات: