أعتقد أن استقالة جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي في باريس لا يمكن قراءتها بلغة الخبر وحدها، ولا حتى بلغة التحليل البارد. إنها لحظة تستدعي موقفًا شخصيًا من معنى الثقافة، ومن علاقتها بالسلطة، ومن هشاشة ما نسميه اليوم “القوة الناعمة” الفرنسية في زمن لا يرحم السمعة ولا ينتظر أحكام القضاء.
منذ أن تناهى إلى مسامعي خبر الاستقالة، لم أستطع التعامل معه كواقعة إدارية. أعرف جيدًا أن جاك لانغ ليس مجرد اسم عابر في سجل المؤسسات؛ إنه رمز لمرحلة كاملة من الدولة الثقافية الفرنسية، مرحلة كانت تؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل سياسة عليا بوسائل أخرى. لذلك، فإن خروجه من المعهد بهذه الطريقة لا يخصه وحده، بل يخص صورة فرنسا نفسها حين تخاطب العالم العربي باسم الفن والمعرفة والانفتاح.
ما يزعجني في هذه الأزمة ليس فقط ثقل الاتهامات أو التحقيقات أو الوثائق المسربة، بل هذا الشعور الخانق بأن الثقافة أصبحت اليوم رهينة منطق “الوقاية من الفضيحة”، لا منطق الدفاع عن القيم. الدولة، كما يبدو لي، لم تنتظر أن تتضح الحقيقة كاملة، بل اختارت الطريق الأقصر: إبعاد الرأس لحماية الجسد. أفهم هذا المنطق سياسيًا، لكنني أتوجس منه ثقافيًا. فحين تُدار المؤسسات الثقافية بعقلية إدارة المخاطر، نخسر جوهرها قبل أن نخسر أسماءها.
أنا لا أكتب هنا للدفاع عن شخص، ولا لإدانته. ما يعنيني هو السؤال الأعمق: ماذا يعني أن يكون على رأس مؤسسة ثقافية كبرى رجل يحمل تاريخًا سياسيًا كثيفًا، ثم يُطلب منه الرحيل لا بسبب حكم قضائي، بل بسبب عبء رمزي أصبح ثقيلاً على المؤسسة؟ أليس في هذا اعتراف ضمني بأن الثقافة لم تعد قادرة على حماية نفسها من العاصفة السياسية، وأنها تحتاج دائمًا إلى “قرابين” بشرية لطمأنة الرأي العام؟
من موقعي ككاتب عربي يتابع هذه المؤسسة منذ سنوات، كنت دائمًا أرى في معهد العالم العربي أكثر من مبنى زجاجي على ضفاف السين. كنت أراه مساحة تفاوض صامت بين فرنسا والعالم العربي، مساحة تحاول أن تقول ما تعجز الدبلوماسية الرسمية عن قوله. لكن هذه الأزمة كشفت لي هشاشة هذا الدور. فحين تهتز صورة الرئيس، تهتز المؤسسة، وحين تهتز المؤسسة، يصبح الخطاب الثقافي نفسه موضع شك، حتى وإن لم يكن له أي علاقة مباشرة بما يُتداول من اتهامات.
ما يقلقني حقًا هو أن هذه الاستقالة قد ترسل رسالة خاطئة إلى الشركاء العرب: رسالة مفادها أن المعهد، مهما ادعى الاستقلالية الثقافية، يظل في نهاية المطاف تابعًا لحسابات السياسة الفرنسية الداخلية. وهذا، في رأيي، أخطر ما في الأمر. لأن الثقافة، لكي تكون جسرا، تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار الرمزي، وإلى شعور بأن من يقودها محميٌّ بمنطق المؤسسات لا بمنطق المزاج الإعلامي.
أكتب بضمير المتكلم لأنني أرفض اختزال القضية في ثنائية ساذجة: “فاسد/بريء”. العالم اليوم أكثر تعقيدًا من ذلك. نحن نعيش زمنًا يمكن فيه لورود اسم في وثيقة أو صورة أو مراسلة قديمة أن تتحول إلى حكم أخلاقي فوري. وفي هذا الزمن، تصبح الثقافة أول الضحايا، لأنها بطبيعتها بطيئة، تفسيرية، وتحتاج إلى سياق، بينما المنصات الرقمية لا تعترف إلا بالصدمة.
أخشى أن تكون استقالة لانغ، في عمقها، إعلانًا غير مباشر عن نهاية نموذج “المثقف-الدولة” في فرنسا. ذلك النموذج الذي كان يجمع بين الفكر والسلطة والرمزية. اليوم، يبدو أن هذا النموذج أصبح عبئًا، وأن الدولة تفضّل مدراء تكنوقراط بلا ذاكرة سياسية ولا حضور رمزي، فقط لأنهم أقل عرضة للجدل. لكن أي ثقافة سنحصل عليها حين تُدار بلا ذاكرة وبلا مخاطر؟
من زاويتي، أرى أن هذه الأزمة تفرض على فرنسا مراجعة صريحة لعلاقتها بثقافتها. هل تريد ثقافة مروّضة، آمنة، بلا مفاجآت؟ أم ثقافة حية، قادرة على الصدام، وعلى تحمّل التناقضات البشرية لمن يقودونها؟ لأن الثقافة التي تخاف من ظلها، لا يمكنها أن تقنع الآخرين بأنها تحمل رسالة إنسانية كونية.
أما بالنسبة للعلاقات الثقافية مع العالم العربي، فأنا أخشى من أثر تراكمي لا يظهر فورًا. قد تستمر المعارض، والندوات، والحفلات، لكن شيئًا من الثقة سيتآكل بصمت. سيطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: هل المعهد فضاء حوار متكافئ، أم مجرد واجهة تتغير بتغير الرياح السياسية في باريس؟ هذا السؤال، حتى لو لم يُطرح علنًا، سيؤثر في نوعية الشراكات، وفي مستوى الرهان الرمزي على هذه المؤسسة.
أكتب هذا المقال لأنني أؤمن أن الثقافة لا تُقاس فقط بعدد الزوار أو بميزانيات الدعم، بل بقدرتها على الصمود الأخلاقي. واستقالة رئيس معهد العالم العربي بهذه الطريقة تضعنا أمام مفارقة قاسية: مؤسسة وُجدت لتقريب الثقافات، تجد نفسها اليوم ضحية صراع بين السمعة والسياسة، بين التحقيق والاتصال، بين الحقيقة والسرعة.
في النهاية، لا أملك أجوبة جاهزة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: إذا لم تُستخلص من هذه الأزمة أسئلة جذرية حول استقلالية الثقافة، وحول معنى القيادة الثقافية، وحول العلاقة الملتبسة بين السلطة والرمز، فإن استقالة جاك لانغ ستتحول من حدث عابر إلى علامة فارقة على تراجع دور الثقافة في تشكيل السياسة، لا العكس. وأنا، بوصفي كاتبًا عربيًا، لا أستطيع إلا أن أراقب هذا التحول بقلق، لأن ما يحدث في باريس اليوم، ينعكس غدًا على فضائنا الثقافي كله.








0 التعليقات:
إرسال تعليق