الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 08، 2026

الفيضانات مرآة قاسية لسياسة اجتماعية هشّة تُدار بالمسكنات: عبده حقي


 تعود الفيضانات في الجزائر، موسمًا بعد موسم، لتؤدي الدور نفسه: امتحان الدولة في لحظة عُري، وكشف المسافة الواسعة بين الخطاب الرسمي عن “الحماية الاجتماعية” والواقع اليومي لمواطنين يُتركون في مواجهة الطبيعة بوسائل بدائية، وبنية تحتية منهكة، وإدارة تُجيد إصدار البيانات أكثر مما تُجيد إنقاذ الأرواح. ما يحدث ليس طارئًا ولا استثنائيًا؛ إنه نتيجة تراكم طويل لسياسات اجتماعية تُدار بمنطق الترقيع، وتُموَّل بمنطق الريع، وتُنفَّذ بمنطق الارتجال.

تُقدَّم الحماية الاجتماعية في الجزائر بوصفها أحد أعمدة “الدولة الراعية”، من دعم للمواد الأساسية، وإعانات للفئات الهشة، وبرامج إسكان وصحة. غير أن الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الفيضانات، تُظهر الوجه الآخر لهذا البناء: حماية اجتماعية تُختزل في تحويلات نقدية موسمية، ولا تُترجم إلى استثمار جاد في الوقاية، ولا إلى تخطيط عمراني يراعي المخاطر، ولا إلى جاهزية مؤسساتية قادرة على التدخل السريع والمنسق. حين تغمر المياه الأحياء، لا تُنقذ الشعارات البيوت، ولا تُوقف الخطب جريان الأودية.

تكشف الفيضانات هشاشة البنية التحتية في ولايات عديدة: قنوات صرف غير مكتملة، شبكات بالية، طرقات تُنجَز بلا معايير، وأحياء تُشيَّد في مجاري السيول. هذه ليست أخطاء تقنية معزولة؛ إنها نتاج سياسة اجتماعية تفصل بين “الرعاية” و“الوقاية”. تُنفق الدولة على التعويض بعد الكارثة أكثر مما تُنفق على منعها، وكأن الخسارة قدرٌ لا يُرد، لا نتيجة خيارات قابلة للتصحيح. في هذا السياق، يتحول المواطن إلى متلقٍ سلبي للمساعدات، لا شريكًا في حماية حياته وبيئته.

الأخطر أن عجز التدخل لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد إلى إدارة الأزمة نفسها. تتكرر المشاهد: تأخر في التنسيق بين المصالح، غياب خرائط مخاطر مُحدَّثة، ضعف في الإنذار المبكر، ارتباك في الإغاثة، وإحصاء ضحايا يُراجَع بعد ضغط الرأي العام. تُدار الكارثة بمنطق ردّ الفعل، لا بمنطق السيناريوهات المُسبقة. هذا الخلل البنيوي يفضح محدودية مفهوم الحماية الاجتماعية حين لا يُدعَّم بحوكمة رشيدة وقدرات تنفيذية.

تُفاقم المركزية الشديدة من حدّة المشكلة. تُتَّخذ القرارات بعيدًا عن خصوصيات الأقاليم، وتُطبَّق البرامج بنسخة واحدة على واقع متنوع جغرافيًا ومناخيًا. الولايات الأكثر هشاشة تُعامَل بالمنطق نفسه الذي تُعامَل به المدن الكبرى، مع فارق الموارد والقدرات. في غياب اللامركزية الفعلية، تفقد الجماعات المحلية القدرة على الاستباق والتدخل، وتتحول إلى وسيط ينتظر التعليمات بدل أن يقود الفعل.

كما أن الفساد وسوء الصفقات يتركان أثرهما المباشر على سلامة المواطنين. مشاريع تُسلَّم قبل أوانها، مواد رديئة، مراقبة شكلية، ثم يُلقى اللوم على “قوة الطبيعة”. غير أن الطبيعة لا تُفسر وحدها انهيار جدار جديد، ولا انسداد قناة صُرفت عليها اعتمادات ضخمة. حين تُهدر الأموال العامة، تُهدر معها فرص الوقاية، وتُضاعَف كلفة الكارثة اجتماعيًا وإنسانيًا.

تُظهر الفيضانات كذلك هشاشة الشبكات الاجتماعية غير الرسمية. العائلات الفقيرة، وسكان الأحياء الهامشية، وكبار السن، هم أول الضحايا. تتحدث السياسات عن “الفئات الهشة”، غير أن الواقع يُثبت أن الهشاشة تُنتَج بسياسات الإسكان والعمل والنقل نفسها. حماية اجتماعية لا تعالج جذور الهشاشة تُبقي الضحايا في الدائرة نفسها: خسارة، تعويض محدود، عودة إلى الهشاشة.

لا يعني نقد سياسة الحماية الاجتماعية الدعوة إلى تقليصها، بل إلى إعادة تعريفها. الحماية الحقيقية تبدأ من الوقاية: تخطيط عمراني يحترم الجغرافيا، بنية تحتية تُصمَّم لمخاطر المناخ المتغيّر، لامركزية تُعطي القرار لمن يعرف الأرض، شفافية تُحاسِب قبل أن تُعزّي، واستثمار في المعرفة والإنذار المبكر. دون ذلك، ستظل المساعدات مسكّنات مؤقتة، وسيظل المواطن يدفع ثمن سياسة ترى في الكارثة حدثًا عابرًا لا اختبارًا لجدية الدولة.

إن الفيضانات لا تُعرّي فقط ضعف الطرق والقنوات، بل تُعرّي أيضًا فلسفة اجتماعية تُفضّل إدارة الصورة على إدارة المخاطر. والنتيجة معروفة سلفًا: خسائر تتكرر، ثقة تتآكل، وسؤال مؤجل عن معنى الحماية في دولة لا تحمي مواطنيها قبل أن تجرفهم المياه.


0 التعليقات: