الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 09، 2026

جزيرة إيبستين… العفن الأخلاقي في قلب النخبة الغربية: عبده حقي

 


لم تعد جزيرة إيبستين مجرد بقعة استوائية معزولة في البحر الكاريبي، فقد تحولت خلال العقد الأخير إلى رمز مكثف لانهيار أخلاقي عميق يطاول صورة النخب السياسية والثقافية والفنية والإعلامية في الغرب. هذه الجزيرة الصغيرة، المعروفة باسم “ليتل سانت جيمس”، ارتبط اسمها بشكل عضوي بشبكة استغلال جنسي ممنهج، وبنمط حياة سريّ، وبمنظومة نفوذ استخدمت المال والعلاقات والسلطة لإنتاج حصانة غير معلنة ضد المحاسبة.

امتلك الجزيرة الملياردير الأمريكي جيفري إيبستين Jeffrey Epstein، الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره رجل أعمال غامضاً و”محسناً” ذا علاقات واسعة مع رؤساء دول، وأمراء، ونجوم سينما، وأكاديميين، وإعلاميين. غير أن هذه الواجهة اللامعة سرعان ما تشققت، لتكشف عن واحدة من أبشع قضايا الاستغلال الجنسي المنظم للقاصرات في التاريخ المعاصر، حيث لم تكن الجزيرة سوى مسرح مغلق تُمارس داخله أفعال تنتمي إلى عالم الجريمة أكثر مما تنتمي إلى عالم “الترف”.

لم تكن فظاعات جزيرة إيبستين مجرد تجاوزات فردية، بل اتخذت طابعاً بنيوياً. شهادات الضحايا، والوثائق القضائية، والتحقيقات الصحفية، كلها تشير إلى نظام استدراج، ونقل، وإخضاع، يعتمد على شبكة وسطاء، وغطاء مالي، وحماية سياسية غير مباشرة. الجزيرة، بأسوارها الطبيعية وبعدها الجغرافي، أدّت وظيفة “المختبر” الذي تُختبر فيه حدود الإفلات من العقاب، لا سيما حين يكون المتورطون من أصحاب النفوذ.

الأخطر من ذلك أن ما جرى في جزيرة إيبستين لا يمكن فصله عن ميولات عقائدية وإيديولوجية كامنة داخل بعض دوائر النخبة الغربية، حيث يتقاطع الشعور بالتفوق الطبقي مع نزعة تبريرية ترى في الجسد، خصوصاً جسد القاصرين، مادة للاستهلاك، أو موضوعاً للهيمنة. هنا لا نتحدث عن “انحرافات” معزولة، بل عن ثقافة نخبوية مريضة، تتغذى على السرية، وعلى وهم أن المال والعلاقات يمكنهما إعادة تعريف الأخلاق والقانون.

وقد لعبت عزلان ماكسويل Ghislaine Maxwell، الشريكة الأساسية لإيبستين، دوراً محورياً في تجسيد هذا البعد الإيديولوجي. فهي لم تكن مجرد وسيطة، بل فاعلة في إعادة إنتاج شبكة الاستغلال، مستندة إلى خلفية اجتماعية وثقافية مكنتها من الوصول إلى دوائر القرار والتأثير. محاكمتها لاحقاً كشفت، جزئياً فقط، عن عمق هذه الشبكات، وعن حجم التواطؤ الصامت الذي أحاط بها.

التداعيات المأساوية لقضية جزيرة إيبستين لم تقتصر على الضحايا المباشرين، بل امتدت لتضرب في الصميم صورة النخب الغربية. فجأة، وُضعت أسماء لامعة في السياسة والفن والإعلام تحت مجهر الشك، ليس فقط بسبب علاقاتها بإيبستين، بل بسبب صمتها الطويل، أو تواطئها الضمني، أو استفادتها من نظام يقوم على الاستغلال. هذا ما جعل القضية تتحول من ملف جنائي إلى أزمة ثقة حضارية.

الإعلام الغربي، الذي طالما قدّم نفسه حارساً للأخلاق العامة، وجد نفسه بدوره في موقع الاتهام. فالتغطية المتأخرة، والانتقائية، ومحاولات التقليل من حجم الشبكة، كشفت عن هشاشة الخطاب الأخلاقي حين يتعلق الأمر بمصالح النخبة. بعض المؤسسات الإعلامية فضّلت التركيز على “سقوط” إيبستين الفردي، متجاهلة السياق الأوسع الذي سمح له بالعمل لعقود دون مساءلة حقيقية.

أما على المستوى الثقافي والفني، فقد تركت القضية أثراً مدمراً. صورة “النجم الإنساني” و”المثقف التقدمي” تعرضت لتصدع عميق، إذ تبيّن أن بعض من يرفعون شعارات الدفاع عن الحقوق والحريات كانوا جزءاً من فضاءات مظلمة تُنتهك فيها أبسط القيم الإنسانية. هذا التناقض الفجّ أسهم في تعميق شعور عام بالاشمئزاز من خطاب النخبة، وأعاد طرح سؤال الشرعية الأخلاقية لمن يتصدرون المشهد العام.

جزيرة إيبستين، في النهاية، ليست مجرد قصة جزيرة فاسدة أو رجل منحرف، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية السلطة الغربية. إنها تذكير قاسٍ بأن النخبة، حين تُعفى من الرقابة، يمكن أن تتحول إلى كيان مغلق يعيد إنتاج العنف والاستغلال باسم الحرية، وباسم “الخصوصية”، وباسم الامتياز. وما لم تُستخلص الدروس الحقيقية من هذه الفضيحة، فإن الجزر قد تتغير، والأسماء قد تسقط، لكن البنية نفسها ستظل قابلة لتكرار الجريمة.

بهذا المعنى، تبقى جزيرة إيبستين رمزاً لعطب أخلاقي لا يخص شخصاً بعينه، بل يطال منظومة كاملة، ويضع الغرب أمام اختبار عسير: إما مواجهة الحقيقة بكل قسوتها، أو الاستمرار في صناعة الأساطير، بينما يتآكل الأساس القيمي من الداخل.


0 التعليقات: