الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 09، 2026

الجزائر على حافة الاختناق المالي وانكشاف وهم الاقتصاد الريعي: عبده حقي

 


يشهد المشهد الاقتصادي الجزائري في الآونة الأخيرة مؤشرات مقلقة لم تعد حبيسة التقارير التقنية أو تحليلات الخبراء المعزولين، بل تحولت إلى معطى عام يفرض نفسه بقوة على النقاش السياسي والاجتماعي. انهيار متواصل لقيمة الدينار، تآكل غير مسبوق للقدرة الشرائية، وتنامي حديث دولي عن هشاشة المنظومة النقدية واحتمال تعثر البنك المركزي، كلها عناصر ترسم صورة قاتمة لاقتصاد لم يعد قادراً على إخفاء أعطابه البنيوية خلف خطاب سيادي متشنج أو أرقام رسمية مصقولة بعناية.

أول ما يلفت الانتباه هو المسار الانحداري للعملة الوطنية. الدينار الجزائري لم يعد مجرد ضحية لتقلبات الأسواق العالمية أو لتراجع ظرفي في أسعار الطاقة، بل أصبح مرآة صادقة لاختلالات هيكلية عميقة. فكل انخفاض جديد في قيمته يكشف عن عجز مزمن في خلق الثروة خارج قطاع المحروقات، وعن اقتصاد ريعي يعيش على تصدير مادة خام واحدة، دون قدرة حقيقية على التنويع أو على بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. انهيار العملة هنا ليس حادثاً تقنياً، بل تعبير سياسي واقتصادي عن انسداد نموذج كامل.

في هذا السياق، تكتسب التقارير المالية الدولية أهمية خاصة، لأنها تصدر من خارج دائرة التبرير الداخلي. حين تتحدث مؤسسات اقتصادية عالمية عن هشاشة احتياطات النقد الأجنبي، وعن ضغوط متزايدة على ميزان المدفوعات، وعن مخاطر تهدد استقلالية البنك المركزي، فإن الأمر يتجاوز حدود التحليل النظري ليصبح إنذاراً مبكراً. هذه التقارير لا تتنبأ بالإفلاس بمعناه الكلاسيكي فقط، بل تشير إلى سيناريو أكثر تعقيداً: دولة تواصل الإنفاق الاجتماعي والسياسي بنفس المنطق القديم، بينما تتآكل أدواتها النقدية يوماً بعد يوم.

البنك المركزي الجزائري يوجد في قلب هذه العاصفة. فمن جهة، يُطلب منه تمويل عجز الميزانية المتفاقم بشكل غير مباشر، ومن جهة أخرى يُفترض به الحفاظ على استقرار العملة ومحاربة التضخم. هذا التناقض البنيوي يحوّل المؤسسة النقدية إلى أداة إطفاء حرائق، لا إلى صانع سياسات نقدية مستقلة. ومع تراجع الثقة في الدينار، يزداد الإقبال على السوق الموازية، ويتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الواقع، ما يضعف أكثر قدرة الدولة على التحكم في الدورة المالية.

الأخطر من ذلك أن الأزمة الاقتصادية لا تُدار بوصفها أزمة، بل كمسألة إنكار سياسي. الخطاب الرسمي لا يزال أسير لغة المؤامرة الخارجية، أو مشغولاً بتصدير التوتر نحو ملفات إقليمية لصرف الانتباه عن الداخل. في ظل هذا المنطق، تُهمَّش الأسئلة الجوهرية: أين ذهبت عائدات النفط في سنوات الرواج؟ لماذا فشلت كل محاولات الإصلاح الهيكلي؟ ولماذا يُعاد إنتاج نفس النخب الاقتصادية والإدارية التي راكمت الفشل؟

الواقع الاجتماعي يقدّم بدوره أدلة دامغة على عمق الأزمة. ارتفاع الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، توسع البطالة المقنّعة، واحتقان الشارع الصامت، كلها نتائج مباشرة لانهيار السياسة الاقتصادية. المواطن الجزائري لم يعد يثق في الأرقام الرسمية، لأنه يعيش يومياً مفارقة قاسية بين خطاب الطمأنة وواقع الفقر المتزايد. هذا التناقض هو أخطر ما في المشهد، لأنه يهدد العقد الاجتماعي نفسه، ويحوّل الاستقرار الظاهري إلى هشاشة مؤجلة.

الاقتصاد الجزائري يدفع اليوم ثمن غياب الرؤية الاستراتيجية لعقود. فبدلاً من الاستثمار في الإنسان، في التعليم، في الابتكار، وفي الاقتصاد المنتج، جرى تبديد الموارد في سياسات ظرفية تهدف إلى شراء السلم الاجتماعي لا أكثر. ومع تراجع قدرة الدولة على الاستمرار في هذا النهج، تتكشف الحقيقة المؤلمة: الريع لا يبني دولة، والنفط لا يصنع اقتصاداً متيناً.

إن الحديث عن احتمال إفلاس البنك المركزي، حتى وإن بدا صادماً، يجب أن يُفهم في إطاره السياسي والاقتصادي الأوسع. هو ليس نبوءة قدرية، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من سوء التدبير، وغياب الشفافية، ورفض الإصلاح الحقيقي. الإفلاس هنا ليس فقط مالياً، بل أخلاقي ومؤسساتي، لأن الأزمة كشفت حدود الدولة الريعية وعجزها عن التجدد.

ما يحدث في الجزائر اليوم ليس مجرد أزمة عملة أو ميزانية، بل لحظة انكشاف تاريخية. إما أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة، قائمة على الإنتاج والمساءلة والحكامة، أو أن يستمر الهروب إلى الأمام حتى تصل المنظومة إلى نقطة اللاعودة. المؤكد أن الزمن الاقتصادي لا ينتظر الخطاب السياسي، وأن الأرقام، مهما جرى تزيينها، لها عناد لا يلين.


0 التعليقات: