الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 09، 2026

الصحافة والإعلام في عصر التكنولوجيا: بوصلة التحول الرقمية في المغرب والعالم العربي وأفريقيا: إعداد عبده حقي


في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في مجالات الإعلام والصحافة والتكنولوجيا، تبدو الساحة الإعلامية في المغرب والعالم العربي وإفريقيا على مفترق طرق بين فرص جمة وتحديات عميقة، تتداخل فيها التكنولوجيا والهوية المهنية والقدرة على التأقلم مع معطيات العصر الرقمي.

التطورات الكبرى في المغرب: استراتيجيات رقمية وتعزيز العلاقات التكنولوجية

تشهد المغرب في السنوات الأخيرة تعزيزًا ملحوظًا لجدولها الرقمي، بدفع من استراتيجيات وطنية وإقليمية تركز على الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي. فقد حققت مشاركة المملكة في Web Summit قطر 2026 نتائج إيجابية أكدت على التزام الرباط بتوسيع التعاون التكنولوجي الدولي، خاصة في الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال الرقمية، مع توقيع اتفاقيات تهدف إلى دعم الشركات الناشئة وتشجيع نقل الابتكار بين المغرب وقطر وغيرها من الشركاء الدوليين.

في إطار متصل، امتدت شراكات تقنية كبرى إلى المغرب حيث بدأت شركات فرنسية متخصصة في الذكاء الاصطناعي توسيع تواجدها من خلال شراكات استراتيجية مع جهات مغربية لتعزيز التحول الرقمي في القطاعات الصناعية والاقتصادية، مع تركيز على دمج نظم الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الأعمال المحلية.

هذه التطورات تأتي في وقت تتسارع فيه المنافسة على المحتوى الرقمي والإعلام التفاعلي في المغرب، الذي يشهد أيضًا تنافسًا بين منصات إعلامية رقمية مثل هسبريس وطنجة7 وغيرها ها⁦.

من جهة أخرى، لا تزال الصحافة الرقمية المغربية تواجه تحديات جوهرية في التوازن بين المهنية والاقتصاد الرقمي، ويتطلب ذلك اعتماد نماذج أكثر استدامة مثل الاشتراكات والتمويل المجتمعي، إلى جانب استثمار الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الخبراتي والتحقيقي.

الإعلام العربي: مشاريع مشتركة بين التكنولوجيا ونمو الوعي الإعلامي

في العالم العربي، يشهد قطاع الإعلام والصحافة تحولًا كبيرًا عبر إدراج الذكاء الاصطناعي في العمليات التحريرية والنشر. هذا يقف على رأسه التعاون بين منظمة التعاون الرقمي (DCO) وواحد من أبرز الصحف السعودية، الذي وقع اتفاقية لتبادل الخبرات في مواجهة المعلومات المضللة وتعزيز الثقافة الرقمية، مع التركيز على تطوير ممارسات إعلامية تعتمد على التكنولوجيا بشكل مسؤول.

بالتوازي مع ذلك، أظهرت تقارير عدة أن الذكاء الاصطناعي – رغم إمكاناته في تسريع العمل الصحفي – قد يُفاقم الفجوة بين المؤسسات القوية تقنيًا وتلك الضعيفة ما يطرح سؤالاً مهمًا حول توزيع فوائد التكنولوجيا في المؤسسات الصحفية العربية.

في فلسطين، تم إطلاق مبادرات لتعزيز المحو الإعلامي الرقمي في المدارس والجامعات من خلال شراكات بين الوزارات والمنظمات المهنية بهدف تجهيز الجيل الجديد بمهارات مهمة في فهم المحتوى الإعلامي ومكافحة التضليل.

هذه التطورات تحدث فيما تتسابق مؤتمرات وملتقيات إعلامية في المنطقة لتسليط الضوء على أدوار الصحافة الرقمية والتكنولوجيا في بناء الثقة مع الجمهور، خاصة في ظل تراجع تأثير المنابر التقليدية مقابل بروز منصات رقمية مثل TikTok وYouTube التي توفّر قنوات مباشرة للمحتوى.

القارة الأفريقية: الإعلام والإبداع في مواجهة التحول التكنولوجي

في إفريقيا، تُعد الصحافة والتكنولوجيا مجالين مترابطين بشكل وثيق مع تحديات وفرص خاصة في تحسين البنية المؤسسية لمؤسسات الإعلام. من أبرز المبادرات تنظيم المؤتمر الإعلامي الإفريقي الرابع (Africa Media Convention) في مراكش، وقد ركز المؤتمر على ثنائية الذكاء الاصطناعي والمساءلة الإعلامية، باعتبارهما من أهم القضايا التي تواجهها وسائل الإعلام في القارة، لا سيما في سياقات تتعلق بالحفاظ على حرية التعبير وستقلالية الصحافة.

تُظهِر هذه المبادرات مجموعة من الاستراتيجيات المشتركة لتعزيز الإعلام المستقل والتحقيقي في إفريقيا، ومساعي لإنتاج حلول محلية تلائم التحديات الخاصة بالتحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي دون إغفال القيم الصحفية الأساسية.

من جهة أخرى، ظهرت مؤسسات إعلامية أفريقية جديدة مثل منصة Nouvelles Afrique التي تهدف إلى إتاحة الأخبار باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات، وتوفير نافذة إعلامية أفريقية أصيلة تغطي القضايا القارية وتمنح صوتًا حقيقياً للصحافة الأفريقية في الساحة الدولية.

التحديات والآفاق: مهنة الصحافة بين الأتمتة والقيم المهنية

رغم الفرص التي يمنحها التحول الرقمي والتكنولوجيا، تبقى التحديات الأخلاقية والمهنية في صميم النقاش الإعلامي في المغرب والعالم العربي وإفريقيا. ففي الوقت الذي تُعَد فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قوة محركة لإنتاجية الصحافة، إلا أنها أيضًا تُثير مخاوف تتعلق بمصداقية المعلومات، وتعمّق حاجة المؤسسات إلى المهارات المهنية في التحقق والتحرير الرقمي، وليس فقط إلى التقنية وحدها.

وفي خضم ذلك، تنبّأ العديد من الخبراء بأن العامل الحاسم في مستقبل الصحافة لن يكون التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل القيادة والرؤية المهنية التي تقود المؤسسات الإعلامية في كيفية تبنّي التكنولوجيا لتعزيز دورها المجتمعي.

إن المتغيرات الآنفة الذكر تشكل محورًا مركزيًا في رسم ملامح الإعلام المعاصر؛ فهي ليست مجرد أدوات أو منصات جديدة، بل جزء من بنية معرفية وثقافية تؤثر في كيفية فهم الجمهور للأخبار، وكيفية إنتاج المؤسسات الإعلامية دقة المادة الإعلامية التي تقدمها، وكيف تبقى الصحافة مؤثرة وموثوقة في عصر السيولة الرقمية.

0 التعليقات: