في صباح الاثنين 9 فبراير 2026 تبدو الثقافة مثل “نشرة أحوال جوّ” موازية: مؤشرات صغيرة هنا وهناك، لكنها تكشف سريعًا اتجاهات أعمق—من عودة المعارض الكبرى، إلى صعود الحِرف بوصفها ابتكارًا، وصولًا إلى “أفْرَقة” السرد الفني عالميًا لا بوصفها زينة فولكلورية بل كصوت مُنتِج للمعنى.
1) المغرب: موسم “التشبيك الثقافي” بين المعارض والموضة والحِرف والمسرح
على المستوى المغربي، يبرز اليوم ملمحٌ واضح: الاشتغال على الثقافة كاقتصاد رمزي لا يكتفي بالفرجة، بل يربط العرض بالتكوين وبالدبلوماسية الثقافية. في جهة الجنوب مثلًا، يقدّم المجال المسرحي نموذجًا لعودة “التراث” إلى الخشبة لا كحنين ساذج، بل كموضوع مساءلة تربوية وجمالية، عبر ندوات وبرامج محلية تُؤطر الذاكرة الشفوية في صيغ مسرحية وداخل مؤسسات تعليمية.
وفي موازاة ذلك، تتقدم الموضة بوصفها سردية ثقافية: “أسبوع القفطان” لا يشتغل على اللباس كمنتَج فقط، بل كمدخل لقراءة الأطلس والمواد والرموز واليد العاملة، مع برمجة تجمع العرض بالورشات واللقاءات، بما يقرّب “الصناعة التقليدية” من مفهوم الصناعات الإبداعية الحديثة.
أما في مراكش، فحيوية الفن البصري تستعيد بريقها عبر حركية معارض الفن الإفريقي المعاصر المرتبطة بسوق الفن والفضاءات الجديدة، بما يجعل المدينة نقطة عبور بين شمال القارة وجنوبها: حدثٌ فنيّ يتجاوز البيع والاقتناء نحو إعادة تعريف “من يروي إفريقيا؟ وكيف تُعرَض؟”
وبين “الصناعة” و”الفرجة”، تظهر أيضًا دينامية تربط الإبداع بالتأهيل. أخبار الشراكات المرتبطة بتطوير التكوين والابتكار في الحِرف التقليدية تضيء هذا الاتجاه: الاستثمار في الحرفة كمعرفة قابلة للتحديث—تصميم، مواد، وسلاسل قيمة—لا كقطعة متحفية.
الخلاصة المغربية اليوم: ليست كثافة الفعاليات هي الدلالة الأهم، بل طريقة تنظيمها: مزج المسرح بالمدرسة، القفطان بالمعمل، والحرفة بالابتكار—وكأن المشهد يقول إن الثقافة لم تعد “زينة الدولة” بل جزء من صورتها وقدرتها على المنافسة الرمزية. (وهذا يلتقي مع نقاشات أوسع حول محدودية التغطية مقابل حجم الاستثمارات الثقافية).
2) العالم العربي: الثقافة كـ“فضاء عام” بديل… وعودة النقاش النقدي
في العالم العربي، يلفت الانتباه اليوم أن كثيرًا من الحراك الثقافي يتحول إلى منصات حوار: مناقشات الرواية، الفعاليات الجامعية، والتظاهرات التي تعيد وصل الأدب بالمجتمع. نموذج ذلك الإعلان عن مناقشة رواية داخل مؤسسات ثقافية رسمية بمشاركة نقاد وأكاديميين—وهذه ليست مجرد “جلسة توقيع”، بل استعادة لفكرة النقد بوصفه سلطة معرفية تُوازن ضجيج السوق.
وفي تونس، يتواصل نمط “الأيام الثقافية” كشكلٍ من أشكال الدبلوماسية الجامعية—تبادل لغات ورموز ومعارف—ويعكس رغبة في خلق مسارات ثقافية موازية لمسارات السياسة الصلبة.
وفي الخليج تحديدًا، حتى عندما تهيمن المعارض الكبرى ذات الطابع الاقتصادي/المهني، فإن “المنطق الثقافي” يتسلل إلى طريقة العرض: المدينة تصبح مسرحًا للمعرفة والابتكار والحوارات العامة، بما يغيّر تعريف الجمهور نفسه (ليس “متلقيًا” فقط، بل “مشاركًا” في تجربة).
على الهامش العربي-العالمي، تبرز كذلك رمزية مهمّة: إعلان برنامج بينالي سيدني 2026 تحت إدارة فنية عربية (هور القاسمي) وبثيمة مرتبطة بالذاكرة واسترجاع السرديات، ما يعني أن حضور القيّمين/القيّمات العرب لم يعد استثناءً في المؤسسات الكبرى، بل جزءًا من إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل سوق الفن العالمي.
3) إفريقيا: الاعتراف العالمي، وتحوّل المدن إلى “منصات سرد”
إفريقيا اليوم لا تكتفي بتصدير أسماء لامعة، بل تُراكم مؤشرات على تثبيت المؤسسات والبرامج. خبر منح فِلا كوتي جائزة “إنجاز مدى الحياة” من الغرامي—بوصفه أول إفريقي يُكرَّم بهذه الصفة وفق تغطيات دولية—يعيد طرح سؤال: كيف يتحول الفن الإفريقي من “تأثير موسيقي” إلى “مرجعية تاريخية” في الذاكرة العالمية؟
وفي جنوب إفريقيا، نلاحظ انتقال الإبداع من حدود الأزياء إلى فضاءات مركّبة تجمع التصميم الداخلي والمعرض والمتجر/الغاليري، كما في توسع مشاريع ثِبه ماغوغو في كيب تاون: الموضة هنا ليست قماشًا فقط، بل “لغة مكان” تُؤلف بين الهوية والترف والإرث المحلي.
أما على مستوى السينما، فالإعلان عن عودة مهرجان جوهانسبورغ السينمائي ببرنامج أوسع وعدد كبير من الأعمال المختارة من مئات الترشيحات يرمز إلى تحوّل المهرجانات الإفريقية إلى بوابات “تصنيف وتصدير” للقصص الإفريقية عالميًا، لا مجرد عروض محلية.
ومن زاوية غرب إفريقيا، تتجه بوصلة الاهتمام إلى المعارض التي تعالج الذاكرة والهوية داخل مؤسسات متحفية كبرى في دكار خلال فبراير، بما يؤكد أن “معركة السرد” تجري في المتحف مثلما تجري في الأغنية والسينما.
المعنى المشترك اليوم: من “الخبر الثقافي” إلى “المشهد الثقافي”
إذا جمعنا المغرب والعالم العربي وإفريقيا، سنجد أن الجديد اليوم ليس حدثًا واحدًا يعلو فوق الجميع، بل تغيّر في الوظيفة: الثقافة تتحرك من خانة الترفيه إلى خانة بناء المعنى العام—الذاكرة، الهوية، الاقتصاد الإبداعي، والتعليم. وهذا بالضبط ما يجعل متابعة “أخبار الثقافة والفنون” ليست ترفًا: لأنها تكشف اتجاهات المجتمع قبل أن تعلنها السياسة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق