الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 11، 2026

السلطة البيومترية وإعادة كتابة الصحافة والخصوصية بصمت: عبده حقي

 


في السنوات الأخيرة، تسللت البيانات البيومترية إلى مجال الصحافة كما تتسلل الرطوبة إلى الجدران القديمة: ببطء، وبلا ضجيج، إلى أن يصبح تجاهلها أمرًا مستحيلًا. فبصمات الأصابع، وتقنيات التعرّف على الوجوه، وأنماط الأصوات، ومسح قزحية العين، وتحليل المشي، بل وحتى قراءة التعابير الدقيقة للوجه، لم تعد حبيسة المختبرات أو نقاط التفتيش الأمنية. لقد دخلت غرف الأخبار ومنصات الإعلام، ومعها دخل تحول عميق في معنى الخصوصية، وفي طبيعة الثقة، وفي موازين السلطة داخل الفضاء الإعلامي. إن دور البيانات البيومترية في تشكيل الصحافة المعاصرة لا يمكن اختزاله في تطور تقني محض، بل هو تحول ثقافي وأخلاقي يعيد صياغة العلاقة بين الصحافي، والموضوع، والجمهور.

في جوهر الصحافة يقوم عقد غير مكتوب، هشّ بطبيعته: يمنح الجمهور الصحافيين حق الوصول إلى الواقع مقابل الدقة والمسؤولية وضبط النفس. غير أن التقنيات البيومترية تدفع بهذا العقد إلى حدوده القصوى. فبعد أن كان الصحافي يحتاج إلى دفتر ملاحظات، ومسجّل صوت، وعين مدرَّبة، باتت الخوارزميات اليوم قادرة على التعرّف على وجوه المتظاهرين وسط الحشود، والتحقق من هوية المصادر عبر بصمة الصوت، وقياس مستويات التوتر أثناء المقابلات. هنا تبرز فائدة مقاربة “استراتيجية البطاطس” التي تسمح بتقشير القضية طبقة بعد طبقة، من دون القفز مباشرة إلى القلب، بحيث تكشف كل طبقة عن تناقضاتها الخاصة.

الطبقة الخارجية هي الكفاءة. فالمؤسسات الإعلامية تبرّر اعتماد الأدوات البيومترية بوصفها وسائل محايدة تُحسّن سرعة التحقق ودقته. فالتعرّف على الوجوه يساعد في الأخبار العاجلة، وتحليل الصوت يساهم في كشف التسجيلات المزيّفة، والبيانات السلوكية تُستخدم لضبط المحتوى الضار. من هذا المنظور، تبدو البيانات البيومترية كدرع واقٍ يحمي الصحافة من التضليل في عصر تتكاثر فيه الوسائط الاصطناعية. وقد تناولت كتب مثل تجّار الانتباه لتيم وو، وتقارير حديثة حول انتشار “التزييف العميق”، هذا القلق المتزايد داخل غرف الأخبار.

غير أن الكفاءة، مثل تفاحة لامعة، قد تخفي كدمات تحت سطحها. فمع الطبقة التالية يظهر شبح المراقبة. فالبيانات البيومترية شديدة الخصوصية، ولا يمكن تغييرها كما تُغيَّر كلمات المرور. وحين تعتمد الصحافة على قواعد بيانات تجمعها الدولة أو الشركات الكبرى، فإنها تخاطر بأن تصبح شريكًا غير مقصود في بنى المراقبة. وقد كشفت تحقيقات صحافية ودراسات أكاديمية، من بينها أعمال الباحثة جوي بولوامويني، عن أخطاء جسيمة في أنظمة التعرّف على الوجوه، خاصة بحق الأقليات. وهنا يكمن التناقض: صحافة كانت تاريخيًا تفضح المراقبة، باتت تُسهم في تطبيعها.

هذا التوتر يطال أخلاقيات حماية المصادر. فالدفاع عن سرية المصدر ظلّ ركنًا مقدسًا في العمل الصحافي، كما تؤكد أدبيات نقد السلطة وعدم تكافؤها. لكن المصادقة البيومترية تُضعف هذا المبدأ. فصوت المبلّغ يمكن استعادته تقنيًا، والوجه المموَّه قد يُعاد بناؤه عبر تحليل المشي أو الوضعية الجسدية. ومع كل طبقة تُقشَّر من البطاطس، تنكشف هشاشة المصدر عارية، كجلد حساس في مواجهة الهواء البارد.

ثم تأتي طبقة ثقة الجمهور. فالاستهلاك الإعلامي بات يُشكَّل عبر تغذية راجعة بيومترية: تتبّع حركة العين لتحسين العناوين، وتحليل الاستجابات العاطفية لقياس التأثير، وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء لتحديد توقيت النشر. وهكذا، تبدأ الصحافة في التحول إلى مرآة تراقب القارئ وهو يراقبها. وقد حذّر باحثون في دراسات الإعلام من أن هذه الدوائر قد تختزل الصحافة إلى هندسة انفعالية، تُفضّل الإثارة الجسدية على القيمة المدنية.

أما الإطار القانوني، فيكافح للحاق بهذا التسارع. فالتشريعات الأوروبية لحماية البيانات تحاول وضع حدود، غير أن الصحافة غالبًا ما تعمل في مناطق رمادية يتقاطع فيها الحق العام مع الخصوصية الفردية. وتكشف تغطيات إساءة استخدام التعرّف على الوجوه من طرف أجهزة الأمن مفارقة أخرى: الأدوات ذاتها التي تفضح الانتهاكات قد تُستخدم لإنتاجها.

ثقافيًا، يحدث تحول أعمق. فالجسد يتحول إلى بيانات، والعاطفة إلى مؤشّر، والهوية إلى نمط. هذا التحوّل يُهدد غنى السرد الصحافي وقدرته على احتضان الغموض والتناقض. فالواقع، مثل طبق البطاطس المطبوخ ببطء، يكتسب عمقه من الزمن والتأمل، لا من القياس الفوري.

وفي القلب، تكمن السلطة. فالتحكم في البيانات البيومترية يعني التحكم في الوصول وفي التأويل معًا. المؤسسات الإعلامية الكبرى المتحالفة مع شركات التكنولوجيا تحوز أفضلية غير متكافئة، وهو ما يعيد إنتاج أنماط تاريخية معروفة في الاقتصاد السياسي للإعلام، حيث من يملك البنية التحتية يملك الخطاب.

من هنا، لا يمكن النظر إلى البيانات البيومترية في الصحافة باعتبارها تقدمًا خالصًا أو خطرًا مطلقًا. إنها مفاوضة معقّدة بين الابتكار وضبط النفس، بين الكشف والحماية، بين المعرفة والكرامة. ويتعين على الصحافة ألا تلتهم البطاطس نيئة بدافع الانبهار، بل أن تُحسن إعدادها وفق بوصلة أخلاقية واضحة.

فالصحافة، في نهاية المطاف، حرفة إنسانية. قد تساعد البيانات البيومترية في إضاءة بعض الحقائق، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الحكم الأخلاقي، أو التعاطف، أو الشجاعة المهنية. وكأداة في المطبخ، تتحدد قيمتها بالأيدي التي تستخدمها وبالقيم التي توجه تلك الأيدي. وإذا نسيت الصحافة ذلك، فلن تنهار الخصوصية فجأة، بل ستتآكل بصمت، شريحة بعد أخرى، إلى أن يبقى الطبق فارغًا والطاولة باردة.


0 التعليقات: