الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 11، 2026

الدولة الوحيدة التي تسجن حتى المصفقين لها : عبده حقي

 


ما حدث يوم الاثنين 9 فبراير 2026 في الجزائر ليس مجرد حادثة عابرة في سجل طويل من القمع، بل هو فصل جديد، أكثر فجاجة ووقاحة، في مسار سلطة فقدت كل صلة بالعقل وبالدولة وبالحد الأدنى من المنطق السياسي. فالسلطات الجزائرية أقدمت، مرة أخرى، على اعتقال صحفي جزائري، لا لشيء سوى لأنه نشر معلومة عادية على صفحته في فيسبوك. معلومة لم تتضمن تحريضًا، ولا دعوة للاحتجاج، ولا نقدًا للنظام، ولا حتى رأيًا سياسيًا.

المفارقة الصادمة أن هذا الاعتقال جاء بعد أقل من 48 ساعة فقط من تصريح رسمي متلفز يؤكد فيه أحد مسؤولي النظام أن الصحفي في الجزائر “حر في النشر إذا امتلك الأدلة ولا يخشى شيئًا”. لم تمر سوى ساعات حتى كُذِّب هذا الكلام بالفعل، لا بالبيان، بل بالأصفاد والسجن.

الصحفي المعتقل ليس معارضًا، ولا ناشطًا، ولا صاحب خط تحريري مزعج للسلطة. على العكس تمامًا، هو صحفي ثقافي، شاعر، وفاعل في الحقل الثقافي، عمل داخل مؤسسة إعلامية رسمية، وكان من أشد المدافعين عن رئيس الجمهورية، ومن أكثر الأصوات الإعلامية ترويجًا لخطابه وسياساته. ومع ذلك، انتهى به المطاف في زنزانة، بأمر قضائي، بسبب منشور على فيسبوك.

هنا تتجلى حقيقة النظام الجزائري بلا مساحيق: في الجزائر لا فرق بين المعارض والموالي، بين الناقد والمصفق، الجميع مشروع سجين مؤجل. الصحفي، بحكم مهنته، يضع قدمًا في السجن منذ لحظة دخوله غرفة التحرير.

الصحفي المعتقل، البالغ من العمر 45 سنة، لا علاقة له بالسياسة، ولا ارتباط له بأي تيار معارض، ولا سجل له في التحقيقات الاستقصائية، ولا تاريخ له في كشف الفساد أو فضح مراكز النفوذ. صفحته على فيسبوك مخصصة أساسًا للأخبار الثقافية، ولم تكن يومًا منصة للاشتباك السياسي. كل ما فعله أنه نقل خبرًا يتعلق بمحاولة وساطة رسمية لاحتواء احتجاجات محلية في أقصى الجنوب الجزائري.

خبر بسيط، بلا تعليق، بلا تحليل، بلا موقف.

لكن في دولة تخاف من ظلها، وتُدار بالهواجس الأمنية، يتحول نقل الخبر إلى تهديد للأمن القومي، وتتحول المعلومة إلى “مؤامرة”، ويصبح الصحفي “عدوًا داخليًا”.

الاحتجاجات التي أشار إليها المنشور تتعلق باعتقال شخصيتين محليتين نافذتين في منطقة حدودية حساسة، شخصيتين تحظيان باحترام واسع داخل مجتمعهما. ملف اعتقالهما ظل غامضًا، محاطًا بالتكتم، وممنوعًا من التغطية الإعلامية. لا الصحافة سُمح لها بالتحقيق، ولا الرأي العام سُمح له بالفهم. كل ما تسرب مجرد شذرات، وهمسات، وخوف مكتوم.

وحين ينقل صحفي هذه المعطيات، دون رأي أو تحريض، تقرر السلطة أن تُسكت الصوت، لا عبر الرد أو التوضيح، بل عبر الاعتقال المباشر.

الأخطر في هذه القضية ليس فقط سجن صحفي موالٍ، بل الطريقة: تدخل مباشر من أعلى هرم السلطة، توظيف للأجهزة الأمنية، واستخدام القضاء كأداة تصفية فورية. لم يكن الأمر تحقيقًا مهنيًا، بل عقابًا سياسيًا جاهزًا.

هذا السلوك يكشف عن نظام لا يحتمل حتى المرآة، ولا يقبل بأن يرى صورته الحقيقية منعكسة في خبر عابر. نظام يخشى الحقيقة حتى حين تأتيه من أقرب المصفقين إليه.

ومنذ سنة 2020، سُجن أو أوقف أو احتُجز ما لا يقل عن 15 إلى 16 صحفيًا جزائريًا بسبب منشورات، أو آراء، أو نشاطات رقمية. رقم ثقيل، لا يليق بدولة تدّعي احترام الدستور، ولا ينسجم مع أي خطاب عن “الجزائر الجديدة”.

القضية لم تعد قضية حرية صحافة فقط، بل قضية نظام يتغذى على الخوف، ويعيش على القمع، ويستثمر في إسكات الجميع. نظام يعتبر الكلمة خطرًا، والخبر جريمة، والصمت وحده هو البراءة.

وإذا كان هذا هو مصير الصحفيين الموالين، فماذا تبقى للمعارضين؟

الرسالة واضحة وقاسية: لا حماية لأحد، لا للصحفي، ولا للمثقف، ولا حتى للمؤمن بالنظام. السجن في الجزائر لم يعد عقوبة، بل أداة إدارة سياسية.

إن ما جرى ليس انزلاقًا، بل هو تعبير صريح عن طبيعة سلطة لا تؤمن إلا بالقبضة، ولا تعرف إلا منطق الزنزانة. سلطة تخاف من فيسبوك، وتفزع من منشور، وترى في كل كلمة مشروع تمرد.

هذه ليست دولة، بل جهاز أمني يرتدي بدلة دولة.


0 التعليقات: