الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 08، 2026

العنف ضد المرأة جروحٌ قديمة في جسد الحاضر: عبده حقي


في كل مرة تُثار فيها قضية العنف ضد المرأة في المجتمعات العربية، يبدو الأمر وكأننا نكتشف جرحاً جديداً، بينما الحقيقة أن هذا الجرح قديم، عميق، ومتعدد الطبقات. إنه ليس مجرد حادثة معزولة داخل بيت مغلق، ولا مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل ظاهرة اجتماعية وثقافية متجذرة في التاريخ، وفي البنية الذهنية للمجتمعات، وفي علاقات السلطة داخل الأسرة والمجتمع.

وفي المغرب، كما في كثير من البلدان العربية، تتخذ هذه الظاهرة أشكالاً متعددة: عنف جسدي، عنف نفسي، عنف اقتصادي، وأحياناً عنف رمزي يتجلى في التمييز والإقصاء والتهميش. غير أن السؤال الذي يظل معلقاً في فضاء النقاش العام هو: ما هي الجذور الحقيقية لهذا العنف؟ ولماذا يستمر رغم التحولات القانونية والثقافية التي عرفتها المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة؟

أول هذه الجذور يرتبط بالبنية الثقافية التقليدية التي رسخت عبر قرون طويلة تصوراً غير متكافئ للعلاقة بين الرجل والمرأة. فقد تشكلت في الوعي الاجتماعي صورة الرجل باعتباره مركز السلطة داخل الأسرة، بينما وُضعت المرأة في موقع التبعية والطاعة. هذا التصور لم يتكون فجأة، بل كان نتاج تراكمات تاريخية من الأعراف القبلية والتقاليد الاجتماعية التي أعطت للرجل دور الحامي والمتحكم في آن واحد.

وفي المجتمعات الزراعية القديمة، كان هذا التقسيم مرتبطاً بطبيعة الاقتصاد والمعيشة؛ فالرجل يعمل في الحقول والأسواق، بينما تبقى المرأة في فضاء البيت. ومع مرور الزمن تحولت هذه الأدوار العملية إلى قوالب ذهنية صارمة، حتى أصبح خروج المرأة عن هذه القوالب يُنظر إليه كنوع من التمرد على النظام الاجتماعي.

لكن العنف لا يولد فقط من التقاليد، بل أيضاً من الخوف. فحين يشعر المجتمع بأن توازناته القديمة تتغير، تظهر ردود فعل دفاعية أحياناً عنيفة. وهذا ما حدث في كثير من المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، حيث بدأت النساء يخرجن بقوة إلى فضاءات التعليم والعمل والسياسة. هذا التحول التاريخي، الذي يفترض أن يكون مصدر تقدم، أصبح في بعض الحالات سبباً في توتر العلاقات داخل الأسرة.

في المغرب مثلاً، عرف المجتمع تحولات عميقة منذ بداية الألفية الجديدة، خاصة بعد إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، التي منحت المرأة حقوقاً قانونية أوسع في الزواج والطلاق والحضانة. كما صدر قانون خاص بمحاربة العنف ضد النساء سنة 2018، وهو خطوة مهمة في مسار الاعتراف القانوني بالمشكلة. غير أن القوانين، مهما كانت متقدمة، لا تستطيع وحدها تغيير العقليات المتجذرة.

فالعنف ضد المرأة ليس مجرد قضية قانونية، بل هو أيضاً قضية ثقافية وتربوية. ففي كثير من الحالات يتعلم الأطفال منذ الصغر أن الرجل يجب أن يكون “صارماً” وأن المرأة يجب أن تكون “مطيعة”. هذه الرسائل غير المعلنة تنتقل عبر التربية الأسرية، والأمثال الشعبية، وحتى بعض الخطابات الإعلامية.

ولعل أخطر أشكال العنف هو ذلك العنف الرمزي الذي تحدث عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث تتحول الهيمنة إلى أمر طبيعي لا يشعر به الضحايا أنفسهم. فالمرأة التي نشأت في بيئة تعتبر الضرب “تأديباً”، قد لا تدرك أنها ضحية عنف، بل قد ترى الأمر جزءاً من الحياة الزوجية.

كما أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً حاسماً في استمرار هذه الظاهرة. فحين تكون المرأة معتمدة اقتصادياً على الرجل، يصبح من الصعب عليها الخروج من علاقة عنيفة. ولذلك فإن استقلال المرأة مادياً وتعليمياً يعد من أهم وسائل مقاومة العنف.

وفي المغرب، تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن نسب العنف ترتفع في البيئات التي تعاني من الفقر والهشاشة الاجتماعية. فالفقر غالباً ما يولد التوتر داخل الأسرة، ويحول البيت إلى فضاء للصراع بدلاً من أن يكون فضاء للأمان. لكن من الخطأ اختزال المشكلة في الفقر وحده، لأن العنف يوجد أيضاً في الأوساط المتعلمة والميسورة، وإن كان يظهر بأشكال أكثر خفاء.

كما أن بعض التأويلات الخاطئة للنصوص الدينية ساهمت، عبر التاريخ، في تبرير هيمنة الرجل. والحقيقة أن كثيراً من هذه التأويلات لا تعكس روح الدين بقدر ما تعكس الثقافة الذكورية التي كانت سائدة في عصور معينة. لذلك فإن تجديد الخطاب الديني يعد جزءاً مهماً من معركة مواجهة العنف.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالمجتمع المغربي يعرف اليوم حراكاً متزايداً في مجال الدفاع عن حقوق النساء. فقد ظهرت جمعيات مدنية عديدة تشتغل على التوعية القانونية، وتوفير الدعم النفسي للضحايا، والدفاع عن إصلاحات تشريعية أعمق. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت فضاء جديداً للنساء للتعبير عن معاناتهن وكسر جدار الصمت.

غير أن التحدي الأكبر يبقى في تغيير العقليات. فالقوانين يمكن أن تُكتب في البرلمان، لكن الثقافة تُصنع في البيوت والمدارس ووسائل الإعلام. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ضد العنف هي معركة تربوية طويلة الأمد.

إن المجتمع الذي يحترم المرأة لا يفعل ذلك فقط بدافع الأخلاق، بل بدافع الحكمة أيضاً. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي أيضاً المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحياة. وكل عنف يمارس ضدها هو في الحقيقة عنف ضد المستقبل نفسه.

وفي النهاية، يمكن القول إن العنف ضد المرأة في المجتمعات العربية، وفي المغرب بشكل خاص، ليس قدراً محتوماً. إنه ظاهرة تاريخية قابلة للتغيير، شرط أن تتوفر الإرادة السياسية، والوعي المجتمعي، والعمل التربوي العميق. فالمجتمعات التي نجحت في تجاوز هذه الظاهرة لم تفعل ذلك في يوم واحد، بل عبر مسار طويل من الإصلاح الثقافي والقانوني.

ولعل الأمل الأكبر يكمن في الأجيال الجديدة التي بدأت تنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها شراكة إنسانية لا علاقة هيمنة. وحين يصبح الاحترام المتبادل هو القاعدة، لا الاستثناء، يمكن عندها أن نقول إننا بدأنا فعلاً في اقتلاع جذور العنف من تربتنا الاجتماعية.



0 التعليقات: