الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 08، 2026

عبده حقي ومسارات تأسيس الأدب الرقمي في الثقافة العربية:


في لحظة تاريخية كانت فيها الثقافة العربية ما تزال تنظر إلى الحاسوب بوصفه أداة تقنية محايدة لا علاقة لها بالخيال الأدبي، كان هناك عدد قليل من الكتّاب العرب الذين أدركوا أن التحول الرقمي لن يغير وسائل النشر فقط، بل سيعيد صياغة مفهوم النص نفسه. من

بين هذه الأصوات التي بادرت مبكرًا إلى فتح هذا الأفق المعرفي يظهر اسم الكاتب المغربي عبده حقي، الذي ارتبط حضوره الثقافي منذ مطلع الألفية الجديدة بسؤال الأدب الرقمي وترجمة مفاهيمه وإدخاله إلى النقاش الثقافي العربي.

لم يكن ظهور الأدب الرقمي في العالم العربي نتيجة تطور طبيعي داخل المؤسسات الأكاديمية التقليدية، بل جاء في الغالب عبر جهود فردية لمثقفين وكتّاب حاولوا استكشاف العلاقة الجديدة بين الأدب والتكنولوجيا. وفي هذا السياق تحديدًا، لعب عبده حقي دورًا لافتًا بوصفه واحدًا من الأسماء التي ساهمت في التعريف بهذا المجال وإثارة النقاش حوله داخل الفضاء الثقافي العربي.

تشير بعض الدراسات الأكاديمية المغربية إلى هذه البدايات المبكرة. ففي دراسة علمية حول نشأة الأدب الرقمي بالمغرب، اعتبرت الباحثة فاطمة كدو أن مرحلة التأسيس الأولى ارتبطت بجهود ترجمة المفاهيم والنظريات المرتبطة بالأدب الرقمي إلى اللغة العربية، ووضعت ضمن هذا السياق اسمين أساسيين هما محمد أسليم وعبده حقي. هذا التوصيف لا يضع عبده حقي فقط في خانة الكاتب المهتم بالموضوع، بل يضعه داخل لحظة التأسيس الأولى التي حاولت نقل المفاهيم الرقمية إلى الثقافة العربية.

لقد كانت الترجمة في تلك المرحلة أشبه بعملية فتح نوافذ جديدة على عالم أدبي مختلف. فالأدب الرقمي لم يكن مجرد نصوص منشورة على الإنترنت، بل هو حقل معرفي كامل يتداخل فيه الأدب مع علوم الحاسوب، والتصميم الرقمي، والوسائط المتعددة، والتفاعل مع القارئ. لذلك كان نقل المفاهيم الأساسية إلى العربية خطوة ضرورية لخلق أرضية معرفية يمكن للباحثين والطلاب الانطلاق منها.

ومن خلال ترجماته ودراساته، ساهم عبده حقي في تعريب عدد من المفاهيم الأساسية التي تشكل اليوم جزءًا من قاموس النقد الرقمي العربي. فقد نقل إلى العربية نصوصًا ودراسات تتناول موضوعات مثل مفهوم النص في الأدب الرقمي، وآفاق النقد الرقمي، وأسئلة تدريس الأدب الإلكتروني في الجامعات. هذه النصوص لم تكن مجرد مواد ثقافية عابرة، بل تحولت إلى مراجع يستند إليها بعض الباحثين في دراساتهم الأكاديمية حول الأدب الرقمي.

وتكشف الإحالات الموجودة في بعض الدراسات الجامعية العربية أن أعمال عبده حقي دخلت بالفعل في جهاز الاستشهاد الأكاديمي داخل هذا الحقل. فعند تناول موضوع النقد في الأدب الرقمي أو مساراته النظرية، تظهر إشارات إلى ترجماته لبعض المقالات النظرية، وهو ما يدل على أن مساهمته تجاوزت حدود الصحافة الثقافية إلى فضاء البحث العلمي.

لكن دور عبده حقي في هذا المجال لم يقتصر على الترجمة وحدها. فقد عمل أيضًا على إنتاج نصوص تعريفية وتحليلية تحاول تقديم صورة شاملة عن الأدب الرقمي وتطوراته. من بين هذه الأعمال كتب ودراسات تناولت سؤال: ما هو الأدب الرقمي؟ وما هي حدوده الجمالية؟ وما العلاقة بين النص الإلكتروني والوسائط المتعددة؟ وما الذي يميز الأدب التفاعلي عن الأدب الورقي التقليدي؟

هذه الأسئلة كانت في جوهرها محاولة لإعادة التفكير في مفهوم الأدب نفسه. فالنص الرقمي لا يقوم فقط على الكلمات، بل قد يتضمن الصورة والصوت والحركة والبرمجة، وهو ما يجعل القارئ مشاركًا في بناء النص بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا. وقد حاول عبده حقي في عدد من مقالاته وكتبه أن يشرح هذه التحولات بلغة تجمع بين التحليل الثقافي والوعي التقني.

ومن بين القضايا التي توقف عندها أيضًا مسألة تدريس الأدب الرقمي في الجامعات العربية. ففي وقت كانت فيه أغلب البرامج الأكاديمية ما تزال تعتمد على المناهج التقليدية في دراسة الأدب، كان يدعو إلى إدخال الأدب الإلكتروني ضمن البرامج التعليمية، باعتباره أحد أشكال الإبداع الجديدة التي فرضها العصر الرقمي.

هذا البعد الأكاديمي في مشروعه الفكري يظهر أيضًا في الاهتمام بتتبع التحولات التي يشهدها الأدب العالمي في ظل الثورة الرقمية. فقد كان يرى أن الثقافة العربية لا يمكنها أن تبقى معزولة عن هذه التحولات، وأن فهم الأدب الرقمي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم مستقبل الكتابة نفسها.

إلى جانب هذا الدور المعرفي، كان لعبده حقي حضور واضح في الفضاء الثقافي الرقمي العربي من خلال مبادرات مؤسساتية وإعلامية. فقد ارتبط اسمه بإدارة منصات ثقافية على الإنترنت، كان هدفها فتح فضاء للنقاش حول الثقافة الرقمية والأدب الإلكتروني. ومن أبرز هذه التجارب مشاركته في إدارة موقع اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة، الذي حاول أن يقدم نموذجًا جديدًا للفضاء الثقافي الافتراضي خارج الأطر التقليدية للمؤسسات الثقافية.

وقد ساهمت هذه المنصات الرقمية في خلق نوع من الحوار الثقافي حول مستقبل الكتابة في عصر الإنترنت. فالموقع لم يكن مجرد منصة للنشر، بل كان أيضًا فضاء للنقاش حول قضايا مثل الأرشفة الرقمية للأدب، ومستقبل الصحافة الثقافية، والعلاقة بين الكاتب والتكنولوجيا.

ومن خلال هذه المبادرات، حاول عبده حقي أن يدفع بالثقافة العربية إلى التفكير في التحولات التي أحدثتها الشبكة الرقمية في مفهوم الكاتب والقارئ والنص. فالعالم الرقمي، كما يرى، لا يغير فقط وسائل النشر، بل يعيد صياغة العلاقة بين المعرفة والتكنولوجيا.

ولعل ما يميز تجربة عبده حقي في هذا المجال هو أنها جاءت من خارج المؤسسات الأكاديمية التقليدية، لكنها استطاعت رغم ذلك أن تجد طريقها إلى النقاش الجامعي. فالأفكار التي طرحها حول الأدب الرقمي، والترجمات التي قدمها لبعض النصوص النظرية، ساهمت في فتح باب الاهتمام بهذا المجال داخل بعض الدراسات الأكاديمية العربية.

إن قراءة مسار الأدب الرقمي في الثقافة العربية تكشف أن هذا الحقل لم يتشكل دفعة واحدة، بل جاء نتيجة جهود متفرقة لعدد من الباحثين والكتاب الذين حاولوا استكشاف العلاقة الجديدة بين الأدب والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تجربة عبده حقي بوصفها جزءًا من هذه المغامرة الفكرية التي حاولت نقل النقاش حول الأدب الرقمي إلى الفضاء الثقافي العربي.

واليوم، بعد مرور أكثر من عقدين على بداية هذه النقاشات، أصبح الأدب الرقمي موضوعًا معترفًا به داخل العديد من الجامعات العربية، كما ظهرت دراسات وأطروحات أكاديمية تتناول هذا المجال. وإذا كان هذا الحقل ما يزال في طور التشكل، فإن الدور الذي لعبه بعض المثقفين في بداياته يبقى جزءًا من ذاكرته التأسيسية.

ومن بين هذه الأسماء التي ساهمت في فتح الطريق أمام هذا النقاش، يظل اسم عبده حقي حاضرًا بوصفه واحدًا من الكتّاب الذين حاولوا مبكرًا أن يربطوا الأدب العربي بالتحولات الرقمية الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر. فمشروعه في هذا المجال لم يكن مجرد اهتمام عابر بموضوع جديد، بل كان محاولة لطرح سؤال أعمق: ما مستقبل الأدب في عصر التكنولوجيا؟

ذلك السؤال الذي ما يزال حتى اليوم مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.



0 التعليقات: