فِي صَبَاحٍ شِتْوِيٍّ كَئِيبٍ، ٱرْتَفَعَتْ سُتُورُ ٱلضَّبَابِ فَوْقَ مَدِينَةِ ٱلْيُسْرِ، وَٱزْدَادَتْ شَوَارِعُهَا سُكُونًا غَيْرَ مُعْتَادٍ. وَفِي تِلْكَ ٱلْأَجْوَاءِ ٱلْمُثْقَلَةِ بِصَمْتِ ٱلصَّقِيعِ، ٱكْتَشَفَ عَامِلُ ٱلنَّظَافَةِ يَزَنُ ٱلْمُهَاجِرُ جُثَّةَ إِيَادِ صَفْوَانَ مَلْقَاةً فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ قُرْبَ حَافَةِ نَهْرِ ٱلْبَهْجَةِ، وَعَلَيْهَا آثَارُ عُنْفٍ لَمْ تُسَهِّلْ عَلَى ٱلْمَارَّةِ فَهْمَ مَا جَرَى.
كَانَ إِيَادُ رَجُلًا بَسِيطًا، مُحِبًّا لِلْقِرَاءَةِ، لَا يُعْرَفُ عَنْهُ شَيْءٌ يُذْكَرُ سِوَى أَصْدِقَائِهِ فِي مَكْتَبَةِ ٱلْحَيِّ، لِذٰلِكَ بَدَتِ ٱلْوَاقِعَةُ صَدْمَةً كُبْرَى لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ.
وَصَلَتْ إِلَى مَكَانِ ٱلْحَادِثِ ٱلْمُحَقِّقَةُ لِيَانُ ٱلشَّدَّادُ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ أَلْمَعِ ضُبَّاطِ ٱلشُّرْطَةِ ٱلْجِنَائِيَّةِ فِي مُدِيرِيَّةِ أَمْنِ ٱلْيُسْرِ. وَنَظَرًا لِطَابِعِ ٱلْقَضِيَّةِ ٱلْغَامِضِ، قَرَّرَتْ أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ ٱلْأَدِلَّةِ كَأَنَّهَا قِطَعُ فُسَيْفِسَاءَ مُتَنَاثِرَةٌ لَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهَا.
كَانَتْ أُولَى مُلَاحَظَاتِهَا ٱلْخَتْمَ ٱلْغَرِيبَ ٱلْمَطْبُوعَ عَلَى مِعْطَفِ ٱلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، خَتْمًا عَلَى شَكْلِ نَسْرٍ يُحَدِّقُ فِي ٱلْقَمَرِ، كَمَا بَدَتْ عَلَيْهِ آثَارُ مُشَاجَرَةٍ قَصِيرَةٍ، كَأَنَّ إِيَادَ حَاوَلَ ٱلدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ. وَلٰكِنَّ ٱللَّافِتَ أَكْثَرَ كَانَ تِلْكَ ٱلنَّظْرَةَ ٱلْمُتَجَمِّدَةَ عَلَى وَجْهِهِ، نَظْرَةَ خَوْفٍ لَمْ تُفَارِقْ مَلَامِحَهُ حَتَّى بَعْدَ ٱلْمَوْتِ.
أَمَرَتْ لِيَانُ بِنَقْلِ ٱلْجُثَّةِ إِلَى ٱلْمَشْرَحَةِ، وَفَتَحَتْ تَحْقِيقًا أَوَّلِيًّا مَعَ مَنْ كَانَ آخِرَ مَنْ رَآهُ حَيًّا. وَقَالَ زَمِيلُهُ رَامِي ٱلتِّقْنِيُّ إِنَّهُ شَاهَدَ إِيَادَ قَبْلَ يَوْمَيْنِ وَهُوَ يَتَجَادَلُ مَعَ شَخْصٍ مَجْهُولٍ عِنْدَ زَاوِيَةِ ٱلْمَكْتَبَةِ. كَانَ ٱلصَّوْتُ مُرْتَفِعًا، ثُمَّ غَادَرَ إِيَادُ ٱلْمَكَانَ مُسْرِعًا، فِي حِينٍ بَقِيَتْ مَلَامِحُ ٱلرَّجُلِ ٱلْغَرِيبِ رَاسِخَةً فِي ذَاكِرَتِهِ: رَجُلٌ طَوِيلٌ، يَرْتَدِي عِبَاءَةً سَوْدَاءَ، وَتَتَلَامَعُ فِي عَيْنَيْهِ بَرُودَةٌ غَامِضَةٌ.
وَعِنْدَ وُصُولِ فَرِيقِ ٱلْأَدِلَّةِ ٱلْجِنَائِيَّةِ، كَشَفَ ٱلْفَحْصُ ٱلْأَوَّلِيُّ عَنْ وُجُودِ آثَارِ مَادَّةٍ كِيمْيَائِيَّةٍ نَادِرَةٍ عَلَى مِعْطَفِ ٱلضَّحِيَّةِ، تُسْتَخْدَمُ فِي إِخْفَاءِ ٱلْبَصَمَاتِ.
قَادَ هٰذَا ٱلِاكْتِشَافُ لِيَانَ إِلَى ٱلْبَحْثِ فِي مَاضِي ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُنْسِيِّ، حَيْثُ تَذَكَّرَتْ وُجُودَ مُخْتَبَرٍ مَهْجُورٍ فِي أَطْرَافِهَا، كَانَ يُسْتَخْدَمُ فِي تَجَارِبَ صَيْدَلَانِيَّةٍ غَيْرِ مَرْخَّصَةٍ.
وَعِنْدَمَا دَخَلَتْ ذٰلِكَ ٱلْمَكَانَ ٱلْمُتَآكِلَ، وَجَدَتْ بَيْنَ ٱلْأَنْقَاضِ أَوْرَاقًا وَسِجِلَّاتٍ تُشِيرُ إِلَى تَجَارِبَ سِرِّيَّةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهَا رَجُلٌ يُدْعَى صَالِحَ دَرْوِيشَ. عِنْدَهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ مَقْتَلَ إِيَادٍ لَمْ يَكُنْ جَرِيمَةً عَابِرَةً، بَلْ كَانَ ٱلْبَابَ ٱلْأَوَّلَ فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ ٱلْأَسْرَارِ.
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، فَهِمَتْ لِيَانُ أَنَّ ظِلَّ ٱلْجَرِيمَةِ لَا يَزَالُ مُخَيِّمًا فَوْقَ ٱلْمَدِينَةِ، وَأَنَّ ٱلْحَقِيقَةَ، مَهْمَا تَأَخَّرَتْ، لَا بُدَّ أَنْ تَظْهَرَ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق