(نصّ يُقرأ كأنه خرج من دفتر جيب قديم، حبره أزرق يتردد أحيانًا ويبهت أحيانًا أخرى)
لم أفهم العار يومًا بوصفه خطيئة، بل بوصفه نافذة فُتحت في جدارٍ لا يحتمل الهواء. كان هناك جدارٌ داخل صدري، قديم مثل درج مهجور في بيت جدتي، وكلما حاولت أن أسمّي شيئًا عزيزًا انشقّ الجدار قليلًا ودخلت ريح باردة لا أعرف من أين جاءت، ريحٌ تُفسد ترتيب الأشياء وتعيدها إلى حالتها الأولى، إلى ما قبل اللغة، إلى ما قبل أن يُخترع الفم أصلاً.
أصدقائي لم يكونوا أصدقاء بالمعنى الذي تُحفظ به الأسماء في الهواتف. كانوا يحدثونني عبر أشياء صغيرة: حجر وضعوه في جيبي دون أن ينتبهوا، ظلٌّ تركوه على كتفي ثم مضوا، نظرة تشبه إشارة قطار ليلي لا يتوقف في المحطة لكنه يترك اهتزازًا طويلًا في السكة. كنا نعرف أن الكلام يفسد المسافات الصحيحة بيننا، لذلك لم نتكلم إلا مثلما تتكلم الأشجار: أوراق ترتجف ثم تسكت فجأة كأنها تذكرت سرًا.
في إحدى المرات حاولت أن أقول لصديقٍ ما إنني أحبه. الكلمة نفسها خافت مني. شعرتُ أنها ارتدت معطفًا رسميًا لا يناسبها، فجلست بيننا مثل موظف حكومي يطلب توقيعًا. تراجعت فورًا. بدلًا من ذلك سألته عن طقس الغد، فابتسم، وعرفتُ أننا أنقذنا شيئًا هشًا من الموت الإداري.
الحب لا يتحمل التوثيق. ما إن نكتبه يصبح قابلاً للأرشفة، وما يُؤرشف يُفقد رائحته.
كنت أظن أن الورع صلاة، ثم اكتشفت أنه ارتباكٌ جميل أمام ما لا ينبغي أن يُرى كاملًا. مرةً، وأنا أصلي وحدي، شعرت بأن السماء تحاول أن تغلق بابها ببطء كي لا تُحرجني. أدركتُ عندها أن القداسة لا تحب الجمهور، وأنها تفضل أن تُفهم دون أن تُعرض. لهذا صرتُ أؤدي صلواتي في المسافة بين دقتين من القلب، هناك حيث لا تصل الكلمات ولا تصل حتى نوايا الكلمات.
العار يأتي حين نضع المصباح في وجه الفراشة.
كنا، أنا ومن أحب، نتواطأ على التجاهل. نتحدث طويلًا عن فناجين القهوة، عن طعم الخبز، عن حذاء ضيق، بينما الشيء الحقيقي يجلس معنا على الكرسي الرابع صامتًا، يراقبنا برضا. لو أشرنا إليه لانكسر مثل زجاج رقيق. لذلك تركناه يعيش. لم يكن صمتًا بل حراسة.
أذكر مساءً جلسنا فيه ساعات بلا اعتراف واحد. ومع ذلك خرجتُ وأنا أشعر بأن شيئًا كبيرًا تم تبادله، شيء لا يُنقل بالكلمات بل بالطمأنينة التي تتسلل إلى الجسد كقطة تعرف الطريق دون إرشاد. تلك الليلة عرفت أن الاتفاق قد يكون أعمق حين لا يُعلن.
الأفكار أيضًا قاسية. التفكير يشبه أصابع كثيرة تحاول حمل فقاعة صابون. لذلك توجد أشياء لا ينبغي حتى التفكير فيها كاملًا. يكفي أن تحوم حولها مثل قمر لا يريد الاقتراب من البحر كي لا يُحدث المدّ. كلما حاولتُ أن أحدد معنى صداقةٍ ما شعرتُ أنها تضيق، وكلما تركتها بلا تعريف تمددت ونامت قرب رأسي مطمئنة.
سألني أحدهم يومًا: ما الذي يجمعك بهم؟
نظرتُ إلى النافذة وقلت: الغبار في الضوء.
اقتنع فورًا، لأن الإجابة الصحيحة دائمًا ما تكون بلا تفسير.
الاعتراف، في كثير من الأحيان، شكلٌ من أشكال التخريب اللطيف. نعتقد أننا نُظهر الحقيقة بينما نحن في الواقع نغيّر طبيعتها لتناسب النطق. الكلمات تحب الحدود، أما المشاعر الكبيرة فتعرف نفسها بالاتساع. حين نُسميها نضع لها سياجًا، وحين نضع السياج يبدأ الذبول.
حتى ذاكرتي تعلمت الحذر. لا أتذكر الوجوه مباشرة، بل أتذكر أشياء بجوارها: بقعة شمس على طاولة، ارتعاش ملعقة، رائحة مطر دخلت قبل أحدهم بثوانٍ. هذه التفاصيل هي الذاكرة الحقيقية؛ أما الجمل الواضحة فمجرد نسخ مدرسية لا حياة فيها.
أؤمن الآن أن أعز ما في الإنسان يعيش في المنطقة التي نتفق عليها دون إعلان. مثل مصافحة في الظلام، أو باب يُغلق بهدوء كي لا يستيقظ طفل. كل إعلان يوقظ الطفل، والطفل حين يستيقظ يسأل أسئلة لا نريد لها أجوبة.
لهذا أحتفظ بمحبتي كما يحتفظ المسافر بتذكرة قطار قديم: لا يعرضها على أحد، لكنه يلمسها أحيانًا ليتأكد أنه لم يحلم بالرحلة.
أحيانًا أفكر أن العار ليس سوى حارس الأسرار. جرس صغير يدق عندما نحاول تحويل الغامض إلى شيء صالح للعرض. ليس عقابًا، بل تنبيهًا: انتبه، هذا الكائن يعيش في العتمة، دعه هناك.
الصداقة، الحب، التقوى — كلها كائنات ليلية. نراها فقط حين نخفض صوت أفكارنا. وإن حاولنا إحضارها إلى النهار الكامل، تموت فورًا وتترك خلفها تعريفًا صحيحًا لكنه بلا روح.
لهذا أتكلم عنها نادرًا، ومع من يفهم دون أن يطلب الفهم. نتبادل نصف جملة، أو إيماءة، ثم نصمت طويلًا. الصمت ليس فراغًا هنا، بل المعنى نفسه وقد اختار ألا يرتدي صوتًا.
وكلما كدتُ أشرح أكثر، شعرتُ بالنافذة القديمة في صدري تنفتح، يدخل هواء بارد، فأغلقها فورًا وأعود إلى الأشياء الصغيرة: لون الجدار، شكل الغيمة، صوت خطوات بعيدة. هناك، في الهامش، تبقى الأشياء العظيمة سليمة.
ربما لهذا أكتب ولا أقول. أكتب كما لو أنني أشطب في الوقت نفسه، أترك فراغات كافية لتعيش فيها الحقيقة دون أن تراها العيون كاملة.
وأعرف الآن يقينًا: بعض المعاني تُصان فقط بأن لا تُقال.







.jpg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق