شهد الأسبوع الثقافي-الفني في المغرب حركة غير عادية؛ لم يكن مجرد تراكم فعاليات، بل كان أشبه بخريطة مصغّرة للتحولات التي يعرفها الذوق العام: انتقال من ثقافة الاحتفال إلى ثقافة النقاش، ومن الفرجة إلى التفكير، ومن الاستهلاك الفني إلى مساءلة الفن ذاته. الأحداث بدت متباعدة جغرافياً، لكنها مترابطة فكرياً، إذ تكشف عن مغرب يدخل تدريجياً مرحلة “الوعي الثقافي المركّب” حيث يصبح الفن وسيلة قراءة المجتمع لا مجرد تزيينه.
أسابيع الفيلم الأوروبي… السينما كحوار حضاري
عنوان الحدث: انطلاق الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي بالدار البيضاء والرباط ومراكش
شهدت القاعات السينمائية حضوراً لافتاً مع افتتاح دورة جديدة من أسابيع الفيلم الأوروبي، بعروض تمتد عبر عدة مدن وتتناول قضايا الأسرة والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية.
لكن أهمية التظاهرة لا تكمن في العروض نفسها، بل في طبيعة الأسئلة التي تطرحها. السينما الأوروبية، تاريخياً، ليست سينما الحكاية المباشرة بل سينما الأزمة: أزمة الفرد في العالم المعاصر. وعندما تعرض داخل فضاء عربي، تتحول إلى مرآة مزدوجة؛ فهي تكشف للمشاهد المغربي اختلافه الحضاري، وفي الوقت نفسه تقرّبه من الإنسان العالمي.
الأمر اللافت هذا الأسبوع أن الجمهور الشاب كان الأكثر حضوراً. ذلك مؤشر على تحول كبير: الجيل الجديد لم يعد يبحث فقط عن الترفيه، بل عن سرديات تفكك الواقع. السينما هنا تتحول إلى بديل للنقاش العمومي الذي لم تعد الصحافة وحدها قادرة على احتوائه.
بمعنى آخر: الفيلم أصبح مقالا فكرياً مرئياً.
معرض الفن الإفريقي المعاصر بمراكش… من الهامش إلى المركز
عنوان الحدث: عودة معرض الفن الإفريقي المعاصر الدولي إلى المامونية
احتضنت مراكش نسخة جديدة من أحد أبرز معارض الفن الإفريقي المعاصر، حيث شاركت غاليريهات وفنانون من القارة والشتات في عرض أعمال تتقاطع مع قضايا الذاكرة والمدينة والهوية.
هذا المعرض يمثل تحوّلاً في مكانة المغرب داخل الخريطة الفنية العالمية. لم يعد مجرد مستهلك للفن الغربي، بل صار منصة يقدم عبرها الفن الإفريقي نفسه بوصفه خطاباً فكرياً مستقلاً.
الأعمال المعروضة هذا العام تميل إلى ما يمكن تسميته “الواقعية الجديدة”: لوحات ومنشآت بصرية تستعير مواد الحياة اليومية — الحديد الصدئ، الأقمشة الشعبية، الخرائط — لتعيد تركيب تاريخ ما بعد الاستعمار.
الفنان الإفريقي لم يعد يحكي معاناته؛ بل يعيد كتابة التاريخ من زاويته الخاصة.
وهنا تظهر وظيفة المعرض: ليس سوقاً فنياً فقط، بل مختبر سرديات.
فالفن الإفريقي اليوم ينافس الرواية في سرد العالم.
الصويرة… مهرجان روح الثقافات وعودة الفنون الجامعة
عنوان الحدث: الدورة الرابعة لمهرجان روح الثقافات بالصويرة
احتضنت مدينة الصويرة ملتقى يجمع الموسيقى والتراث والفنون الشعبية في فضاء واحد، احتفاءً بالتعدد الثقافي والتقاليد الحية.
هذا النوع من التظاهرات يختلف عن المهرجانات السياحية التقليدية؛ فهنا لا يتم تقديم التراث كفولكلور، بل كهوية متحركة. الموسيقى الأمازيغية والگناوية والعربية لا تُعرض منفصلة، بل تتجاور داخل بنية فنية واحدة، كأنها تقول إن الثقافة المغربية ليست مجموع ثقافات، بل شبكة علاقات بينها.
في العمق، يعكس المهرجان صراعاً هادئاً داخل المجتمع:
هل الهوية ثابتة أم متعددة؟
الجواب الفني كان واضحاً: الهوية المغربية ليست جذراً واحداً بل غابة كاملة.
الندوات والتصميم والابتكار… الثقافة تخرج من القاعة المغلقة
عنوان الحدث: إطلاق نقاش حول التصميم والتواصل كرافعة للابتكار
شهدت الدار البيضاء لقاءات فكرية حول علاقة التصميم بالتنمية والإبداع، باعتبار التواصل البصري جزءاً من التحول الاقتصادي.
هذه النقاشات تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تعلن ميلاد مفهوم جديد: الثقافة لم تعد نشاطاً نخبوياً بل قطاعاً إنتاجياً.
المصمم لم يعد مجرد رسام، بل مهندس للخيال الاجتماعي.
الإعلان، واجهة المتجر، التطبيق الرقمي… كلها نصوص ثقافية غير مكتوبة.
إنها لحظة انتقال من “وزارة الثقافة” إلى “اقتصاد الثقافة”.
الموسيقى الكلاسيكية… عودة الذوق الرفيع إلى الجمهور
عنوان الحدث: الأوركسترا السيمفونية الملكية تقدم أمسية موسيقية بالدار البيضاء
الأمسيات الكلاسيكية التي قُدمت هذا الأسبوع تؤشر إلى ظاهرة لافتة: ارتفاع الإقبال على الموسيقى الأوركسترالية.
الموسيقى الكلاسيكية في المغرب لم تعد علامة تميّز اجتماعي، بل أصبحت تجربة جمالية عامة.
الاستماع لمقطوعة طويلة صار فعلاً مقاومًا لثقافة السرعة الرقمية؛ وكأن الجمهور يبحث عن زمن بطيء يعيد ترتيب الإحساس.
الفن هنا يؤدي وظيفة علاجية:
إعادة تدريب الأذن على الصبر.
قراءة عامة لحصيلة الأسبوع
إذا جمعنا هذه الأحداث سنجد خيطاً واحداً يربطها:
الثقافة المغربية تتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج الرمزي.
-
السينما تطرح الأسئلة بدل أن تروي القصص فقط
-
الفن التشكيلي يعيد كتابة التاريخ
-
التراث يتحول إلى هوية حية
-
التصميم يدخل الاقتصاد
-
الموسيقى تصبح مقاومة للضجيج الرقمي
إنها مرحلة “تثقيف المجتمع بالفن” لا “تزيين المجتمع بالفن”.
بكلمات أخرى: الثقافة لم تعد هامش الحياة، بل صارت طريقة لفهمها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق