في الجزائر، كما في كثير من البلدان العربية والعالم، لا يزال موضوع الاعتداء الجنسي على الأطفال يعتبر أحد أكثر الملفات حساسية، إذ يتقاطع في طابعه بين القانون، المجتمع، والثقافة. الصورة التي نشرتها “الإندبندنت عربية” تحت عنوان «أرقام تفضح حقيقة الاعتداء الجنسي على الأطفال في الجزائر» تشير إلى أرقام وتأثيرات تفوق بكثير ما يُعلن رسميًا، وتُسلّط الضوء على جوانب مظلمة من الدولة والمجتمع لا يلتفت إليها معظم الناس.
تشير بيانات واسعة النطاق أفادت بها منظمات محلية وجمعيات دفاع عن حقوق الطفل إلى أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الجزائر تصل إلى أكثر من 9 آلاف حالة سنويًا، وهي حالات معروفة فقط لأنها أُبلغ عنها، ولا تشمل كثيرًا من الحالات التي يتم التكتّم عليها داخل الأسر والمجتمعات خوفًا من الوصمة والعار الاجتماعية.
إلى جانب ذلك، تظهر
إحصاءات أخرى ركّزت على حالات مسجلة في مؤسسات صحية واحدة فقط بأن أكثر من 300 حالة
اعتداء جنسي تُسجَّل سنويًا في هذه المؤسسة، ما يشير إلى أن العدد الحقيقي يمكن أن
يكون أعلى بكثير من هذه الأرقام الرسمية أو شبه الرسمية، لأنها تعكس فقط ما تم تسجيله
بطرق رسمية.
مثل هذه الإحصاءات
لا يجب فهمها فقط كأرقام، بل كأصوات أطفال واجهوا خطوبًا غير مقبولة، وعائلات تحت ضغط
ثقافي واجتماعي كبير يمنعهم من الكلام أو الإبلاغ.
واحدة من أهم العقبات
أمام كشف الواقع الحقيقي لهذه الظاهرة في الجزائر هي ثقافة الصمت والوصمة الاجتماعية.
كثير من العائلات تتحفظ عن التبليغ خوفًا من نظرة المجتمع، أو خوفًا من أن يُلقي الإبلاغ
بثقله على الضحية نفسها ويمثل لها عارًا طويل الأمد. المجتمع الجزائري بشكل عام، كما
في كثير من المجتمعات العربية، لا يزال يصنّف الاعتداء الجنسي على الأطفال كموضوع
“ممنوع الحديث عنه”، ما يدفع بالعائلات إلى إخفاء الجرائم لحماية سمعتها وليس حماية
أطفالها.
تفتقر أيضًا الجزائر،
حسب منظمات حقوقية، إلى منظومة متكاملة للتبليغ، الحماية، والدعم النفسي للأطفال الذين
يتعرضون لهذه الاعتداءات، وأحيانًا يكون الإبلاغ الرسمي مرهونًا بوجود “أدلة قوية”،
ما يصعب على الأطفال تقديمها، ويجعل الضحية في مواجهة مباشرة مع الجاني في بيئة قانونية
واجتماعية غير داعمة لهم.
الأسباب الكامنة وراء
تفشي الظاهرة
1. ضعف الوعي والتربية الجنسية
يُشكل عدم وجود برامج
فعّالة للتربية الجنسية في المدارس والمجتمعات أحد العوامل الأساسية التي تساهم في
زيادة حالات الاعتداء على الأطفال، لأن الأطفال غير مُدركين لحدود السلوك الجنسي المقبول،
ولا يعرفون آليات الإبلاغ أو طلب المساعدة.
2. غياب السياسات الوقائية والتدريب
تشير معظم الدراسات
المتعلقة بحقوق الطفل في المنطقة العربية إلى أن ندرة البيانات الرسمية، وعدم وجود
برنامج وطني متكامل لمعالجة الاعتداءات الجنسية، يتسبب في ضعف الوقاية والاستجابة من
قبل مؤسسات الدولة. يعكس ذلك نقصًا في تدريب القضاء، الشرطة، والعاملين في الرعاية
الصحية على كيفية التعامل مع حالات الاعتداء الجنسية الواقعة على القصر.
3. التستر الأسري والمجتمعي
لا تزال بعض الأسر
تتعامل مع الاعتداء الجنسي باعتباره مشكلة “عائلية”، يتم حلها داخل الأسرة دون اللجوء
إلى الجهات القانونية، ما يحجب الأرقام الحقيقية ويقلل من فرص حماية ضحايا جدد.
التداعيات على الضحايا
والمجتمع
الاعتداء الجنسي على
الأطفال لا يُلقي بظلاله فقط على الضحية المادية، بل يمتد أثره العميق إلى الصحة النفسية،
الثقة في المجتمع، والقدرة على بناء علاقة سليمة مع الذات والآخرين لدى الضحية. أطفال
يتعرضون لهذه الاعتداءات غالبًا ما يعانون من أعراض نفسية طويلة المدى مثل الاكتئاب،
الاضطراب ما بعد الصدمة، الانعزال، والقلق الاجتماعي.
على الصعيد الاجتماعي،
يعكس هذا الواقع تراجعًا في حماية فئة من أكثر الفئات ضعفًا وحاجة إلى الرعاية، ما
يؤشر إلى فشل المجتمع في دعم الأطفال وحمايتهم من أخطار محيطة بهم.
جهود متواضعة تُبذل…
لكن هل هي كافية؟
على الرغم من كل هذه
الصعوبات، هناك جهات المجتمع المدني ومنظمات حقوقية في الجزائر تبذل جهودًا لتعزيز
حماية الطفل من الاعتداءات الجنسية والعنف بشكل عام. على سبيل المثال، يوجد شبكات وجمعيات
تطوعية تعمل على توعية المجتمع حول حقوق الطفل، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.
إلا أن هذه الجهود لا تزال غير كافية لسد الفجوة الكبيرة بين الواقع الميداني والتعامل
الرسمي مع المشكلة.
أهمية تطوير استراتيجية
وطنية شاملة
إن مواجهة ظاهرة الاعتداء
الجنسي على الأطفال في الجزائر تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تشمل:
تعزيز التشريعات لضمان
حماية أكثر صرامة للأطفال ومعاقبة الجناة دون مساوغات اجتماعية.
إدخال برامج تعليمية
وتثقيفية في المناهج التعليمية للتوعية بحقوق الطفل وكيفية حماية نفسه.
تحسين نظام التبليغ
والاستجابة بحيث يكون الطفل وشاهدوه قادرين على الإبلاغ بأمان وثقة.
تدريب وتأهيل العاملين
في المؤسسات الصحية والقانونية على التعامل مع قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال بحساسية
وحرفية.
دعم نفسي واجتماعي
مستمر للضحايا لضمان إعادة تأهيلهم ومساعدتهم على مواجهة تبعات الاعتداء.
خاتمة: بين الأرقام
والصمت
الاعتداء الجنسي على
الأطفال في الجزائر قضية مؤلمة ومعقدة، تتجاوز الأرقام الرسمية التي نُشر بعضها في
وسائل الإعلام وتُشير إلى آلاف الحالات. لا يزال الصمت الاجتماعي، وضعف اللوائح الوقائية،
ونقص الوعي تُغذّي هذه الأزمة وتُعيق جهود المكافحة. إن التحرك العاجل لإنقاذ الأطفال
وتحقيق العدالة لهم ليس خيارًا بل ضرورة وطنية وإنسانية لا يمكن تأجيلها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق