الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 15، 2026

سلسلة الكتب الأكثر مبيعا ( بنات الرياض للكاتبة السعودية رجاء عبدالله الصانع) عبده حقي


لم تكن رواية بنات الرياض للكاتبة السعودية رجاء عبدالله الصانع مجرد عمل سردي يروي حكايات عاطفية لعدد من الشابات؛ لقد جاءت، منذ صدورها، كحدث ثقافي هزّ التوازن التقليدي في تلقي الأدب العربي المحافظ. فالرواية، التي ترجمتها إلى الإنجليزية الباحثة مارلين بوث، لم تدخل المكتبة العربية من باب الجماليات الروائية الكلاسيكية، بل من باب الفضيحة الاجتماعية والأسئلة المؤجلة حول المرأة والهوية والازدواج الثقافي في الخليج.

تقوم بنية الرواية على تقنية الرسائل الإلكترونية الأسبوعية، حيث ترسل راوٍ مجهولة إلى قائمة بريدية سرداً متتابعاً لحياة أربع فتيات من الطبقة العليا في الرياض. هذه التقنية ليست مجرد حيلة شكلية؛ إنها انعكاس دقيق لواقع اجتماعي يعيش ازدواجاً صارخاً: مجتمع شديد المحافظة في العلن، ومنفتح رقمياً في الخفاء. فالبريد الإلكتروني هنا يتحول إلى مساحة حرية بديلة، أشبه بـ “مجلس نسوي سري” يخرج من الرقابة العائلية والدينية إلى فضاء عالمي بلا حدود.

تكمن أهمية الرواية في أنها لا تحاول إسقاط القيم بقدر ما تكشف التوتر الداخلي بينها وبين الحياة اليومية. الفتيات الأربع لا يتمردن بصورة ثورية واضحة، بل يتفاوضن مع المجتمع: يحببن في السر، يخططن للزواج وفق الأعراف، يسافرن إلى الغرب ثم يعدن إلى الرياض. هذه الحركة الدائرية بين الداخل والخارج تكشف أن الصراع ليس بين الشرق والغرب، بل داخل الفرد ذاته؛ فالشخصية السعودية الحديثة ليست منقسمة بقدر ما هي مركّبة.

وقد لعبت الترجمة الإنجليزية دوراً مضاعفاً في هذا السياق. فالنص العربي كان موجهاً ضمناً إلى قارئ يعرف الخلفية الثقافية، بينما النسخة الإنجليزية تحوّل العمل إلى نافذة إثنوغرافية تقريباً على مجتمع مغلق أمام المخيلة الغربية. هنا يظهر السؤال النقدي: هل الرواية عمل أدبي أم وثيقة اجتماعية؟ الواقع أنها تقف بين الاثنين، لكنها تقترب من السرد الاجتماعي أكثر من اقترابها من البناء الروائي المتماسك. الشخصيات تُرسم أحياناً بوصفها نماذج تمثل أنماطاً اجتماعية، لا ككيانات نفسية عميقة، وهو ما جعل بعض القراء يتعاملون معها بوصفها “اعترافاً جماعياً” أكثر من كونها رواية مكتملة الأركان.

اللغة بدورها تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي بسيطة، قريبة من العامية، وتستعير مفردات الحياة اليومية والرسائل الرقمية. هذا الخيار الأسلوبي كان جزءاً من نجاحها الجماهيري، لكنه أثار تحفظاً نقدياً لدى من رأوا فيه تراجعاً عن البلاغة الأدبية لصالح السرد الصحفي. ومع ذلك فإن هذه البساطة تخدم موضوع الرواية: جيل يعيش الحداثة عبر الهاتف المحمول والإنترنت، لا عبر الكتب الفلسفية أو الشعر الكلاسيكي.

أهم ما تكشفه الرواية هو التحول الاجتماعي الهادئ في الخليج قبل أن يصبح علنياً بسنوات. العلاقات العاطفية، الضغوط العائلية، مفهوم السمعة، والزواج بوصفه عقداً اجتماعياً لا رومانسياً، كلها عناصر تظهر بوصفها شبكة تحكم خيارات المرأة أكثر من أي قانون مكتوب. ولذلك فالعنوان نفسه يحمل مفارقة: فتيات الرياض لا يمثلن كل النساء، بل شريحة محددة مرفهة، ومع ذلك يتحولن إلى رمز لصراع أوسع حول حرية الفرد داخل مجتمع جماعي.

إن الجدل الذي أحاط بالرواية كان جزءاً من معناها، لا نتيجة خارجية لها. فقد أثبتت أن الأدب في العالم العربي ما زال يُستقبل أخلاقياً قبل أن يُقرأ جمالياً. لذلك نجحت فتيات الرياض بوصفها علامة ثقافية أكثر من كونها إنجازاً فنياً صرفاً؛ إنها نص فتح الباب أمام سرد نسوي خليجي يتحدث بضمير الحياة اليومية لا بلغة المثاليات.

في النهاية، لا يمكن قراءة الرواية بمعايير الواقعية الكلاسيكية وحدها، ولا بوصفها مجرد مذكرات اجتماعية. إنها نص انتقالي وُلد في لحظة تحوّل، حين بدأت الخصوصية العربية تدخل العصر الرقمي. ولهذا بقي تأثيرها قائماً: لأنها لم تكتب عن أربع فتيات فحسب، بل عن مجتمع كامل يتعلم التحدث عن نفسه للمرة الأولى.

أصدقائي الأعزاء أتمنى أن تكونوا قد استفدتم في هذه الحلقة وإلى اللقاء في الحلقة القادمة مع تحيات الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: