١
أَمْشِي وَحْدِي فِي شَارِعِ بَاوْلِيسْتَا،
وَتُصَافِحُنِي وُجُوهٌ لَا تَعْرِفُنِي،
فَأُحَيِّيهَا بِقَلْبِي،
وَأُسَمِّيهَا وَطَنًا مُؤَقَّتًا.
٢
كُلُّ مَطَرٍ هُنَا يَسْقُطُ عَلَيَّ بِلُغَتَيْنِ،
لُغَةِ السَّمَاءِ وَلُغَةِ الْغُرْبَةِ،
وَأَنَا أَتَرْجِمُهُمَا
إِلَى نَبْضٍ فِي دَفْتَرِي.
٣
أَجْلِسُ فِي مَقْهًى بِلَا اسْمٍ،
وَأُشَارِكُ الْقَهْوَةَ وَحْدَتِي،
فَتَقُولُ لِي الْفِنْجَانُ:
أَنْتَ ضَيْفُ ذَاكِرَتِكَ.
٤
يَعْبُرُ الْمِتْرُو تَحْتِي،
كَقَصِيدَةٍ لَا تَرَى السَّمَاءَ،
وَأَنَا أَعْبُرُ فَوْقَهُ
كَسَطْرٍ يَبْحَثُ عَنْ مَعْنَاهُ.
٥
فِي لِيبِرْدَادِي أَشُمُّ شَرْقًا بَعِيدًا،
وَأَرَى وَجْهِي فِي عُيُونِ غُرَبَاءَ،
فَأُصَافِحُهُمْ بِلَا كَلَامٍ،
لِأَنَّ الْقَلْبَ يَفْهَمُ قَبْلَ اللُّغَةِ.
٦
الْجُسُورُ الْعَالِيَةُ تَرْفَعُنِي،
لَا نَحْوَ السَّمَاءِ،
بَلْ نَحْوَ طِفْلِي
الَّذِي نَسِيتُهُ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى.
٧
أَتْبَعُ غْرَافِيتِي عَلَى الْجُدْرَانِ،
فَأَعْثُرُ عَلَى اسْمِي بِلَوْنٍ غَرِيبٍ،
لَمْ أَكْتُبْهُ أَنَا،
لَكِنَّهُ يَكْتُبُنِي.
٨
تُرَافِقُنِي حَافِلَةٌ لَا أَعْرِفُ وَجْهَتَهَا،
وَأَتْبَعُهَا كَحُلْمٍ مُتَأَخِّرٍ،
لِأَنَّ الطُّرُقَ الْبَعِيدَةَ
تَشْبَهُ أَحْلَامِي.
٩
أُرَاقِبُ الْبَاعَةَ فِي السُّوقِ،
يَبِيعُونَ الضَّجِيجَ وَالضَّحِكَ،
وَأَنَا أَشْتَرِي
صَوْتَ أُمِّي مِنَ الْمَسَافَةِ.
١٠
كُلُّ لَيْلٍ هُنَا يَتَّسِعُ لِي،
حَتَّى أَكُونَ نَجْمًا صَغِيرًا،
يَسْكُنُ شُرْفَةً
وَيَكْتُبُ الْمَدِينَةَ.
١١
أُصَافِحُ الرِّيحَ عَلَى جِسْرِ أُوكْتَافْيُو،
فَتَرُدُّ عَلَيَّ بِرَائِحَةِ الْمَاءِ،
فَأَفْهَمُ أَنَّ الْمُدُنَ
تَتَذَكَّرُنَا أَيْضًا.
١٢
أَكْتُبُ اسْمِي فِي هَوَاءِ الصَّبَاحِ،
فَيَذُوبُ كَسُكَّرٍ فِي الشَّمْسِ،
وَلَكِنَّهُ يَبْقَى
فِي قَلْبِي أَثْقَلَ مِنَ الْحَجَرِ.
١٣
تَعَلَّمْتُ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ،
أَنْ أَقِفَ بِلَا ظِلٍّ،
وَأَنْ أَكُونَ أَخْضَرَ
فِي مَوْسِمِ الْوِدَاعِ.
١٤
أَحْمِلُ بِلَادِي فِي حَقِيبَةٍ صَغِيرَةٍ،
وَأَفْتَحُهَا كُلَّ مَسَاءٍ،
لِأُخْرِجَ مِنْهَا
قَمَرًا وَرَائِحَةَ خُبْزٍ.
١٥
تُعَلِّمُنِي الْمَصَاعِدُ الْعَالِيَةُ،
أَنَّ الِارْتِفَاعَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي،
فَالْقَلْبُ يَبْقَى
فِي الطَّابِقِ الْأَوَّلِ.
١٦
أَضِيعُ فِي الزِّحَامِ عَمْدًا،
لِأَعْثُرَ عَلَى نَفْسِي،
فَالْوَحْدَةُ هُنَا
أَكْثَرُ جَمَاعِيَّةً مِنْ بِلَادِي.
١٧
أَتَحَدَّثُ إِلَى لُغَةٍ لَا تُجِيبُنِي،
فَتُصْبِحُ صَدِيقَتِي،
وَتُعَلِّمُنِي
أَنْ أَسْمَعَ قَلْبِي.
١٨
تَسِيرُ مَعِي الْمَدِينَةُ،
وَلَا أَسِيرُ فِيهَا،
كَأَنَّهَا تَقْرَأُنِي
وَأُحَاوِلُ فَهْمَهَا.
١٩
أَكْتُبُ لَهَا رِسَالَةً كُلَّ لَيْلَةٍ،
وَلَا أُرْسِلُهَا،
لِأَنَّ الْمُدُنَ
تَفْهَمُ الصَّمْتَ جَيِّدًا.
٢٠
وَعِنْدَمَا أَرْحَلُ،
سَتَبْقَى سَاوْبَاوْلُو فِيَّ،
كَأَنَّهَا أَنَا
فِي سَفَرٍ آخَرَ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق