يُعدّ هذا الكتاب واحداً من أكثر الكتب التاريخية انتشاراً في العالم العربي رغم أنه كُتب أصلاً بالإنجليزية، وهو أمر يثير مفارقة لافتة: العرب يقرأون تاريخهم الحديث عبر عين مؤرخ غربي من أصل مشرقي. وهذه المفارقة ليست ضعفاً في الثقافة العربية بقدر ما هي دليل على ندرة الأعمال العربية الشاملة التي استطاعت الجمع بين السرد الأكاديمي المتماسك واللغة السلسة القادرة على مخاطبة القارئ العام.
الكتاب ليس مجرد سرد زمني للأحداث، بل محاولة لصياغة “سيرة حضارة” تمتد ثلاثة عشر قرناً. يبدأ من ظهور الإسلام، ثم يتابع تشكّل الدولة، فالمدن، فالفقه، فالأدب، فالعمران، وصولاً إلى الدولة الوطنية الحديثة والقضية الفلسطينية. ما يميّزه أنه لا يركّز على الحكّام بقدر ما يركّز على المجتمع: العلماء، التجار، الحرفيون، المدن، المدارس، الطرق الصوفية، وأنماط العيش اليومية. بهذا المعنى لا يكتب حوراني تاريخ السلطة، بل تاريخ المجال الحضاري.التاريخ كنسيج اجتماعي لا كحروب
أحد أهم جوانب قوة الكتاب أنه لا يتعامل مع التاريخ العربي باعتباره سلسلة غزوات وانهيارات، بل باعتباره سيرورة تشكّل اجتماعي.
فالدولة الأموية عنده ليست مجرد توسع عسكري، بل انتقال من مجتمع قبلي إلى مجتمع مدني.
والعصر العباسي ليس عصر الخلفاء فقط، بل عصر المدن والمعرفة والترجمة.
أما العثمانيون فلا يظهرون كاحتلال مطلق، بل كإطار سياسي واسع احتضن تنوعاً لغوياً وثقافياً ودينياً.
هذا المنهج يبتعد عن السرد القومي المدرسي الذي يميل إلى التمجيد أو الإدانة، ويقترب من مدرسة التاريخ الاجتماعي الأوروبية، خاصة تأثيرات مدرسة الحوليات الفرنسية. لذلك يشعر القارئ أن الحضارة العربية لم تكن “ذهبية ثم سقطت”، بل كانت تتحول باستمرار.
الإسلام: مركز التاريخ لا مجرد فصل منه
لا يتعامل حوراني مع الإسلام كمرحلة دينية بل كبنية حضارية كاملة.
فهو يرى أن القرآن لم يؤسس فقط عقيدة، بل أسس لغة مشتركة ومجالاً ثقافياً ممتداً من الأندلس إلى الهند.
ومن هنا يفسر قدرة العرب على البقاء حضارياً حتى في غياب الوحدة السياسية.
هذه القراءة مهمة لأنها تفسر ظاهرة معاصرة: لماذا ظل العالم العربي، رغم الانقسامات، مجالاً ثقافياً واحداً؟
الجواب عنده بسيط: اللغة والنص الديني أنتجا “فضاء تداولياً” مشتركاً، يشبه اليوم الفضاء الإعلامي أو الرقمي.
من النهضة إلى الدولة الحديثة: قراءة بلا رومانسية
يتناول الكتاب النهضة العربية والحداثة بلا حنين ولا عداء.
فلا يراها انبعاثاً كاملاً ولا مؤامرة استعمارية، بل استجابة تاريخية لضغط عالمي جديد:
الطباعة، الجيش النظامي، الإدارة الحديثة، الاقتصاد الرأسمالي.
كما يقدّم تفسيراً هادئاً لفشل الدولة الوطنية العربية:
المشكلة ليست في الثقافة ولا الدين، بل في انتقال مفاجئ من إمبراطورية متعددة المراكز إلى دولة مركزية صارمة.
وهذا التحول، في نظره، خلق صراعاً دائماً بين السلطة والمجتمع.
القضية الفلسطينية: خاتمة التاريخ المفتوح
يختم حوراني تقريباً بتشكل الصراع العربي الإسرائيلي، لا باعتباره حدثاً سياسياً فقط، بل لحظة إعادة تعريف الهوية العربية الحديثة.
فالقومية العربية، التي ظهرت كفكرة ثقافية في القرن التاسع عشر، تحولت بعد 1948 إلى شعور جماعي بالخسارة التاريخية.
هنا يصبح الكتاب معاصراً:
إنه لا يشرح الماضي فقط، بل يفسر توتر الحاضر.
نقاط القوة
-
لغة واضحة تجمع الأكاديمي والسرد الأدبي
-
شمول زمني وحضاري نادر
-
تركيز على المجتمع لا على الحكام
-
تفسير هادئ للعلاقة بين الدين والسياسة
-
قدرة على ربط التاريخ القديم بالواقع الراهن
حدود الكتاب وإشكالاته
رغم أهميته، فالكتاب ليس محايداً تماماً.
يظهر أحياناً ميل المدرسة الاستشراقية الليبرالية:
العرب مجتمع ثقافي متماسك لكنه سياسياً هش.
وهذا التوصيف يفسر الواقع لكنه أيضاً قد يختزله.
كما أن تركيزه على المشرق أكبر من المغرب والأندلس، مما يجعل القارئ المغاربي يشعر أن نصف ذاكرته الحضارية هامشية داخل “السرد العربي العام”.
إضافة إلى ذلك، يتجنب المؤلف أحياناً نقد الاستعمار المباشر، ويميل إلى تفسير التحولات بوصفها تطوراً تاريخياً عاماً، وهو طرح أكاديمي لكنه يخفف من البعد الصراعي للتاريخ.
لماذا أصبح الأكثر قراءة عربياً؟
السبب ليس فقط قيمته العلمية، بل لأنه يملأ فراغاً:
القارئ العربي يريد كتاباً واحداً يفهم به نفسه.
فالمناهج المدرسية مجزأة، والكتب الأكاديمية متخصصة، والكتابات الأيديولوجية منحازة.
أما هذا العمل فقدم “رواية كبرى” لتاريخ العرب بلغة مفهومة، فصار أشبه بمرجع ثقافي عام.
خلاصة نقدية
هذا الكتاب ليس مجرد تاريخ للعرب، بل تاريخ لصورتهم عن أنفسهم.
إنه يقدّم سردية عقلانية لحضارة عاشت المجد والتفكك معاً، ويُظهر أن المشكلة لم تكن في الدين ولا في الهوية، بل في الانتقال المتعثر إلى الحداثة السياسية.
ولهذا ظل حاضراً بقوة في العالم العربي:
ليس لأنه يجيب عن الأسئلة، بل لأنه يطرحها بطريقة يفهمها الجميع.








0 التعليقات:
إرسال تعليق