الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

أودري أزولاي،اسم يعيد كتابة هوية معهد العالم العربي

 


في لحظة ثقافية وسياسية دقيقة تمر بها العلاقات المتوسطية، عاد اسم فرنسي-مغربي إلى الواجهة بقوة: أودري أزولاي، الشخصية ذات الجذور الأمازيغية اليهودية المغربية، التي طُرح اسمها لقيادة معهد العالم العربي بباريس بعد مرحلة مضطربة عاشتها المؤسسة عقب استقالة رئيسها السابق. لم يكن الأمر مجرد تداول إداري داخل مؤسسة ثقافية، بل تحوّل إلى حدث رمزي يتجاوز باريس ليصل إلى الرباط والقدس والقاهرة وبيروت، لأن المعهد نفسه ليس متحفاً عادياً، بل منصة دبلوماسية ثقافية بين أوروبا والعالم العربي.

معهد العالم العربي أُسس ليكون جسراً حضارياً بين فرنسا واثنتين وعشرين دولة عربية، لكنه خلال السنوات الأخيرة عاش توتراً مالياً وسياسياً وفكرياً، خصوصاً بعد الضغوط التي أنهت مرحلة إدارته السابقة وفتحت الباب أمام إعادة تعريف دوره. لم يعد السؤال من يدير المعهد بقدر ما أصبح أي معنى سيحمله المعهد في القرن الحادي والعشرين. في هذا السياق برز اسم أزولاي باعتباره خياراً سياسياً ثقافياً قادراً على إعادة صياغة وظيفة المؤسسة لا مجرد إدارتها اليومية.

أودري أزولاي ليست شخصية بيروقراطية تقليدية. فقد شغلت منصب وزيرة الثقافة الفرنسية ثم تولت إدارة منظمة اليونسكو بين عامي 2017 و2025، حيث قادت ملفات الحوار الحضاري وحماية التراث والتعليم الثقافي العالمي. خلال تلك الفترة ركزت على قضايا التنوع الثقافي والذاكرة الإنسانية المشتركة في زمن العولمة الرقمية، وهو ما جعلها تحظى بدعم دولي واسع وإعادة انتخابها بأغلبية كبيرة من الدول الأعضاء. هذا المسار جعلها أقرب إلى “مديرة حضارات” أكثر منها مديرة مؤسسة ثقافية.

الاهتمام بترشيح أزولاي لا يرتبط فقط بكفاءتها المهنية، بل برمزيتها أيضاً. فهي ابنة المستشار الملكي المغربي أندري أزولاي وتنتمي إلى عائلة مغربية يهودية أمازيغية، أي إلى إحدى أكثر الهويات المتوسطية تركيباً. هنا يظهر البعد الحقيقي للحدث: المعهد يمثل العالم العربي، وباريس تمثل أوروبا، وأزولاي تمثل الذاكرة المشتركة بين الضفتين. هذا الثلاثي يختصر فكرة المتوسط بوصفه تاريخاً مشتركاً أكثر منه مجرد جغرافيا.

إذا تولت أزولاي قيادة المعهد، فإن ذلك سيعني تحوّلاً في فلسفة المؤسسة من عرض الثقافة العربية إلى إدارة التعدد الثقافي. المعهد كان تاريخياً أداة علاقات دولية تقليدية، أما أزولاي فتمثل علاقات الذاكرة والهوية. ومن المتوقع أن ينتقل العمل من التركيز على التراث الكلاسيكي إلى الثقافة المعاصرة والرقمية، ومن فكرة الشرق مقابل الغرب إلى فكرة الشرق داخل الغرب، أي إبراز التداخل الحضاري بدل المقابلة الحضارية.

في هذا السياق يبدو المغرب المستفيد الثقافي الأكبر من هذا التحول، إذ إن ترشيح شخصية مغربية الأصل يضع الثقافة المغربية في قلب النقاش الأوروبي حول العالم العربي. فالمغرب تاريخياً يقدم نموذجاً للعيش المشترك بين الإسلامي واليهودي والأمازيغي والأندلسي، وهو ما يجعل المعهد أقرب إلى فضاء المتوسطي الثقافي لا مجرد واجهة عربية عامة. هذه الفكرة تتقاطع مع الدبلوماسية الثقافية المغربية التي تراهن خلال السنوات الأخيرة على إبراز التراث المشترك في حوض المتوسط.

لكن الطريق لن يكون سهلاً، فالمعهد يواجه ثلاث أزمات رئيسية: أزمة مالية مرتبطة بنموذج التمويل، وأزمة هوية بعد عقود من التسييس الثقافي، ومنافسة مؤسسات ثقافية أوروبية أصبحت أكثر اهتماماً بالفنون العربية. لذلك سيكون أمام أزولاي خياران أساسيان: إما تحويل المعهد إلى متحف كبير للفنون العربية، أو تحويله إلى مختبر للحوار الحضاري. ويبدو الخيار الثاني الأقرب إلى مسارها وتجربتها في اليونسكو.

إذا تحقق المشروع الفكري المرتبط باسمها، قد تظهر تحولات ملموسة مثل إطلاق برامج حول التراث اليهودي الإسلامي المشترك، وتعزيز حضور الثقافة المغاربية، والتركيز على الثقافة الرقمية العربية، وإعادة تعريف صورة العربي في أوروبا. عندها لن يكون المعهد مجرد مكان لعرض الشرق، بل مساحة لفهم العلاقة بين الشرق والغرب.

قصة أودري أزولاي ليست مجرد تعيين إداري محتمل في مؤسسة ثقافية فرنسية، بل لحظة رمزية في تاريخ العلاقة بين ضفتي المتوسط. امرأة تحمل ذاكرة مغربية متعددة تقود مؤسسة تمثل العالم العربي داخل أوروبا تعني أن الثقافة لم تعد قضية جغرافيا بل سردية مشتركة. وإذا تولت المنصب فعلاً فلن يكون الحدث فرنسية تدير مؤسسة عربية، بل المتوسط يدير نفسه بنفسه.


0 التعليقات: