الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

لماذا يبدو المغرب الجهة المثالية لإدارة الأمن في قطاع غزة؟ عبده حقي

 


منذ اندلاع الحرب في غزة سنة 2023 دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة لتوازناته الأمنية والسياسية. لم يعد النقاش يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، بل حول السؤال الأكثر حساسية: من سيدير الأمن في القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية؟ فإسرائيل لا تريد العودة إلى الاحتلال المباشر طويل المدى، والفلسطينيون يرفضون أي إدارة عسكرية إسرائيلية، فيما تبحث الولايات المتحدة عن صيغة تضمن الاستقرار من دون التورط بقواتها. داخل هذا الفراغ برز اسم المغرب في تقارير وتحليلات سياسية غربية وإقليمية باعتباره فاعلاً محتملاً قادراً على لعب دور أمني أو المساهمة في ترتيبات أمنية جديدة داخل غزة.

الطرح قد يبدو مفاجئاً للوهلة الأولى، لأن المغرب بعيد جغرافياً عن بؤرة الصراع، لكنه في الواقع يستند إلى معادلة سياسية معقدة تجمع عناصر لا تتوفر في دولة عربية واحدة عادة: علاقة رسمية مع إسرائيل، تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه هوية عربية تمنحه قابلية التواصل مع الفلسطينيين. هذه التركيبة جعلت بعض الدوائر ترى فيه وسيطاً أمنياً مناسباً في مرحلة ما بعد الحرب.

التحول الحاسم بدأ سنة 2020 مع انضمام المغرب إلى اتفاقيات أبراهام، التي دشنت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل. لم تكن الخطوة مجرد تطبيع سياسي تقليدي، بل فتحت الباب أمام تعاون استخباراتي وعسكري وتقني متقدم. منذ ذلك التاريخ تطورت العلاقات بسرعة، وشملت مجالات الأمن السيبراني، أنظمة المراقبة، والطائرات المسيرة، وهو ما رسخ ثقة متبادلة بين الطرفين. بالنسبة لإدارة غزة مستقبلاً، تحتاج إسرائيل إلى جهة تستطيع التنسيق الأمني معها بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه لا تُعتبر احتلالاً جديداً أمام الرأي العام العربي. المغرب يحقق هذه المعادلة، فهو شريك أمني لإسرائيل لكنه ليس طرفاً في الحرب ولا يملك تاريخاً عسكرياً ضدها.

تعززت هذه الثقة أكثر عندما اعترفت إسرائيل بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2023، وهو اعتراف ذو قيمة استراتيجية بالنسبة للرباط. بهذا المعنى أصبح التعاون بين البلدين جزءاً من مصالح متبادلة طويلة الأمد، وليس مجرد تقارب ظرفي. لذلك ترى بعض الأوساط الإسرائيلية أن إشراك المغرب في ترتيبات أمن غزة قد يوفر آلية مراقبة فعالة من دون الظهور بمظهر الاحتلال المباشر، وهو هاجس رئيسي لتل أبيب بعد الحرب.

العامل الثاني الذي يدفع نحو هذا التصور هو العلاقة الخاصة بين المغرب والولايات المتحدة. الرباط تعد من أقدم حلفاء واشنطن خارج حلف الناتو، وتحظى بدعم سياسي وعسكري مستمر، خاصة في ملف الصحراء. في المقابل ترى الولايات المتحدة في المغرب دولة مستقرة قادرة على لعب أدوار إقليمية من دون أن تتحول إلى قوة صدامية. بالنسبة لواشنطن، وجود دولة عربية حليفة لها في ترتيبات الأمن داخل غزة يعني عملياً وجود مظلة أمريكية غير مباشرة، وهو الخيار المفضل لتجنب إرسال قوات أمريكية أو ترك فراغ أمني قد تستغله جماعات مسلحة.

لكن القبول الدولي وحده لا يكفي، فغزة ليست مجرد ملف دبلوماسي بل ساحة أمنية معقدة. هنا يظهر العامل الثالث: خبرة المغرب في مكافحة الإرهاب وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية. خلال العقدين الأخيرين قدم المغرب نفسه كنموذج للأمن الوقائي، حيث طور منظومة استخباراتية تعتمد على الاستباق بدل المواجهة العسكرية التقليدية. هذه الخبرة استُخدمت في التعاون مع عدة دول أوروبية وأفريقية، وكذلك في التنسيق مع إسرائيل ضد شبكات التطرف. مرحلة ما بعد الحرب في غزة ستحتاج إلى تفكيك البنية العسكرية للفصائل، مراقبة الحدود، ومنع تهريب السلاح، وهي مهام أقرب إلى العمل الاستخباراتي وإعادة البناء المؤسسي منها إلى حفظ السلام التقليدي. لهذا يُطرح المغرب كطرف يملك الأدوات التقنية والقدرة التنظيمية لإدارة مثل هذه المرحلة.

إضافة إلى ذلك، يتمتع المغرب بصورة مختلفة نسبياً داخل العالم العربي. فهو لا يقود محوراً إقليمياً صدامياً، ولا يرتبط بحدود مباشرة مع إسرائيل أو فلسطين، ما يقلل من حساسيات التاريخ العسكري. كما يحتفظ بعلاقات سياسية مع السلطة الفلسطينية ويؤكد دعم القضية الفلسطينية في خطابه الرسمي، وهو ما يمنحه هامشاً دبلوماسياً أوسع مقارنة بدول أخرى قد تُتهم بالانحياز الكامل لأي طرف. في معادلة حساسة مثل غزة، تلعب الرمزية السياسية دوراً مهماً بقدر الدور العسكري.

من منظور إسرائيلي، يحقق هذا السيناريو هدفين متناقضين ظاهرياً: الانسحاب من إدارة القطاع بشكل مباشر، ومنع عودة الفصائل المسلحة في الوقت نفسه. وجود طرف عربي مطبع يراقب الأمن يسمح لإسرائيل بتخفيف العبء العسكري مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التنسيق الاستخباراتي. أما من منظور أمريكي، فهو جزء من تصور أوسع لبناء منظومة أمن إقليمية تشارك فيها الدول المطبعة لتثبيت الاستقرار دون تدخل مباشر للقوات الأمريكية.

مع ذلك، يبقى هذا الدور نظرياً ومحاطاً بتحديات كبيرة. أبرزها الموقف الفلسطيني، إذ لا يمكن فرض ترتيبات أمنية من الخارج من دون قبول محلي. كما أن أي دور أمني مرتبط بإسرائيل قد يثير رفضاً شعبياً عربياً، بما في ذلك داخل المغرب نفسه حيث ما زال التطبيع موضوعاً حساساً. إضافة إلى ذلك، فإن غزة ليست مجرد مساحة جغرافية بل عقدة سياسية وعقائدية، وأي قوة تدير أمنها ستتحمل مخاطر المواجهة مع جماعات مسلحة أو تحولات ميدانية مفاجئة.

لهذا فإن الحديث عن المغرب لا يعني بالضرورة إرسال قوات عسكرية تقليدية، بل قد يتعلق بمشاركة في هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، تدريب الشرطة، أو إدارة آليات مراقبة الحدود بالتعاون مع أطراف دولية أخرى. هذا السيناريو يسمح بالجمع بين الوجود العربي والضمانة الأمنية الغربية، وهو الهدف الذي تسعى إليه العديد من المقترحات المطروحة حالياً.

في النهاية يظهر المغرب في بعض التحليلات كحل وسط بين خيارات متناقضة: ليس قوة احتلال، وليس خصماً لإسرائيل، وفي الوقت نفسه ليس بعيداً عن العالم العربي. هذه الخصائص تجعل منه بالنسبة لبعض العواصم لاعباً مناسباً لإدارة مرحلة انتقالية حساسة. لكن نجاح أي دور من هذا النوع سيبقى مرتبطاً بعامل حاسم يتجاوز الحسابات الجيوسياسية كلها، وهو قبول الفلسطينيين أنفسهم بالترتيبات المقترحة. فالتاريخ الحديث للصراع أثبت أن أي معادلة أمنية لا تحظى بشرعية محلية تتحول سريعاً إلى مصدر توتر جديد بدل أن تكون مدخلاً للاستقرار.

0 التعليقات: