هناك كتب قديمة نقرأها احتراماً للتاريخ فقط، فنبتسم لها مجاملة ثم نغلقها سريعاً، وهناك كتب أخرى تبقى حيّة كأنها كُتبت بالأمس. كتاب «البخلاء» للجاحظ ينتمي إلى الصنف الثاني. فمن الغريب أن نصاً ألّفه كاتب عاش قبل أكثر من ألف عام ما يزال قادراً على إضحاك قارئ يعيش في عصر الهواتف الذكية ومقاطع الفيديو القصيرة. السر ليس في الحكايات وحدها، بل في الإنسان نفسه؛ فالإنسان يتغير شكله وأدواته، لكن طباعه الكبرى تبقى تقريباً كما هي.
الجاحظ، واسمه أبو عثمان عمرو بن بحر، عاش في مدينة البصرة في العصر العباسي.
نشأ فقيراً، لكن فقره لم يمنعه من امتلاك ثروة مختلفة: حب المعرفة. كان يقضي لياليه
في دكاكين الوراقين يقرأ الكتب حتى الفجر، ويُقال إنه كان يستأجر المكان فقط ليحصل
على الضوء والكتب. هذا الاحتكاك الطويل بالناس والأسواق والمجالس جعله يكتسب موهبة
نادرة؛ القدرة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة في سلوك البشر. لم يكن فيلسوفاً منعزلاً
ولا شاعراً حالماً، بل مراقباً اجتماعياً ذكياً يلتقط الطرائف من الحياة اليومية ويحوّلها
إلى أدب.
كتاب «البخلاء» ليس رواية متسلسلة الأحداث، ولا كتاباً نظرياً عن الأخلاق، بل
مجموعة حكايات قصيرة تدور كلها حول صفة واحدة: البخل. لكن الجاحظ لا يقدّم البخل بوصفه
عيباً مباشراً فقط، بل يعرض منطقه الداخلي. كل شخصية في الكتاب مقتنعة أنها حكيمة واقتصادية،
وأن الآخرين مبذرون لا يفهمون قيمة الأشياء. وهنا يبدأ الضحك الحقيقي، لأن القارئ يرى
التناقض بين الواقع وتبرير صاحبه.
في إحدى الحكايات نلتقي رجلاً يقلق من أن يبرد الخبز لأنه يعتقد أن الهواء البارد
يفتح الشهية فيأكل أكثر، فيطلب إبقاءه قريباً من النار. وفي أخرى نرى شخصاً يغلق الباب
سريعاً حتى لا تدخل رائحة طعام الجيران فتوقظ جوعه. وهناك من يدعو ضيوفه لكنه يراقب
عدد اللقمات بعينيه وكأنه يحصي نقوده. الطريف أن هؤلاء لا يشعرون بالخجل، بل يملكون
خطاباً منطقياً يشرحون به تصرفاتهم، وكأنهم خبراء اقتصاد يديرون مؤسسة مالية لا مائدة
طعام.
الجاحظ لا يسخر من الفقر، بل من الخوف المرضي من الإنفاق. فهو يفرّق بوضوح بين
الاقتصاد المحمود والبخل المَرَضي. الاقتصاد يعني إدارة الموارد بحكمة، أما البخل فيحوّل
المال إلى سيد والإنسان إلى خادم له. البخيل في الكتاب لا يستمتع بما يملك، بل يعيش
قلق الحراسة الدائمة، يخاف من ضياع الشيء أكثر مما يحب استعماله. المال عنده لا يؤدي
وظيفة الحياة، بل يصبح غاية بذاته.
المثير أن هذه الصور تبدو مألوفة جداً اليوم. في عصرنا الحديث قد نرى من يشتري
هاتفاً باهظ الثمن ثم يقضي وقته يبحث عن شبكة إنترنت مجانية حتى لا يستهلك رصيده، أو
من يسافر للسياحة ويكتفي بوجبات الفندق المجانية طوال الرحلة، أو من يملك مالاً كافياً
لكنه يعيش كأنه يطارده الفقر. تتغير الوسائل لكن العقلية نفسها. ولهذا يشعر القارئ
أن الجاحظ يصف أشخاصاً يعيشون حوله الآن لا في القرن الثالث الهجري.
أسلوب الجاحظ جزء أساسي من سحر الكتاب. لغته واضحة وقريبة من الكلام اليومي
مقارنة بكثير من كتب التراث، وهو يعتمد السرد المباشر والحوار الحي أكثر من الزخرفة
البلاغية الثقيلة. القارئ لا يحتاج خلفية أدبية عميقة ليفهم النص، بل يكفي أن يعرف
البشر. لذلك يشبهه بعض القراء اليوم بصانع محتوى اجتماعي يرصد الظواهر اليومية ويقدّمها
في قالب ممتع يحمل فكرة أعمق مما يبدو.
خلف الضحك تكمن رسالة هادئة: أحياناً لا نخاف الفقر بقدر ما نخاف فقدان الشعور
بالأمان، فنبالغ في الادخار حتى ننسى العيش. نخزن الملابس ولا نلبسها، نؤجل الرحلات،
ونؤخر الفرح بحجة الظروف المناسبة التي لا تأتي أبداً. وهنا يتحول الإنسان تدريجياً
إلى صورة من صور أبطال الكتاب، لا يشعر بذلك لأنه يملك دائماً تفسيراً مقنعاً لنفسه.
قيمة «البخلاء» أنه لا يقدّم موعظة مباشرة، بل مرآة ساخرة. الضحك يفتح الباب
للفهم أكثر من النصيحة الثقيلة. القارئ يبتسم أولاً، ثم يكتشف أن بعض المواقف تشبه
حياته أو حياة من حوله، فيتأمل دون أن يشعر أنه يتلقى درساً أخلاقياً. وهذه القدرة
على الجمع بين المتعة والمعنى هي ما جعلت الكتاب يبقى حيّاً عبر القرون.
في النهاية، يبدو كتاب الجاحظ أقرب إلى دراسة إنسانية مبكرة في علم النفس الاجتماعي.
إنه يكشف أن المشكلة ليست في المال نفسه، بل في علاقتنا به. حين يصبح وسيلة نحيا بها
يكون نعمة، وحين يتحول إلى غاية نعيش من أجله يصبح عبئاً. وبين الضحكات الكثيرة التي
يثيرها النص تظل هذه الفكرة البسيطة حاضرة: الإنسان قد يملك أشياء كثيرة، لكنه إن لم
يعرف استخدامها فلن يملك حياته فعلاً.
لهذا السبب ما زال «البخلاء» يُقرأ اليوم لا كأثر تراثي فقط، بل كحكاية معاصرة
تتكرر كل يوم بأسماء جديدة. فكل قارئ سيجد فيه شخصاً يعرفه جيداً… وقد يجد نفسه أحياناً
دون أن ينتبه.








0 التعليقات:
إرسال تعليق