الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، فبراير 21، 2026

صَمْتٌ أَثْقَلُ مِنَ الضَّجِيج: عبده حقي

 


فِي طَرِيقٍ يَعْبُرُ الْمَدِينَةَ كَسَطْرٍ مُتْعَبٍ،

كَانَتْ خُطَاهَا خَفِيفَةً كَأَنَّهَا تَسْتَعِيرُ الْهَوَاءَ،
وَكَانَ فِي عَيْنَيْهَا نَهَارٌ يَتَأَخَّرُ عَنْ وُعُودِهِ،
فَفَهِمَتِ الأَرْضُ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْعَابِرُونَ.

لَمْ يَكُنْ فِي الْوَجْهِ سِوَى ضَوْءٍ خَجُولٍ،
وَفِي الْكَفَّيْنِ أَسْئِلَةٌ لَا تُقَالُ،
وَفِي الْقَلْبِ بَابٌ يُفْتَحُ لِلرِّيحِ كُلَّ مَسَاءٍ،
وَلَا يَجِدُ صَدِيقًا يَغْلِقُهُ بِالرِّفْقِ.

الْمَدِينَةُ تَمْشِي مُسْتَعْجِلَةً فَوْقَ اسْمِهَا،
تَعُدُّ الْخَطْوَاتِ وَلَا تَعُدُّ الْخَفَقَانَ،
وَتُصَافِحُ الْوُجُوهَ دُونَ أَنْ تَسْمَعَ صَمْتَهَا،
فَالصَّمْتُ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يُحْمَلَ فِي التَّحِيَّاتِ.

كَانَتْ تَحْمِلُ يَوْمَهَا كَحَقِيبَةِ سَفَرٍ قَدِيمَةٍ،
مُمْتَلِئَةً بِمَكَاتِيبَ لَمْ تُرْسَلْ،
وَبِأَسْمَاءٍ لَمْ يُنَادِهَا أَحَدٌ،
وَبِدَمْعٍ تَعَلَّمَ أَنْ يَبْقَى فِي الْعَيْنِ.

فِي الْبَيْتِ كُرْسِيٌّ يَنْتَظِرُ كَلِمَةً،
وَنَافِذَةٌ تَنْتَظِرُ سُؤَالًا بَسِيطًا،
وَسَاعَةٌ تَدُورُ حَوْلَ الْوَقْتِ دُونَ مَعْنًى،
كَأَنَّ الْعَائِلَةَ نَسِيَتْ لُغَةَ الاِصْغَاءِ.

الْحُزْنُ لَمْ يَكُنْ صَاخِبًا،
بَلْ كَانَ كَمَاءِ بَطِيءٍ يَحْفِرُ حَجَرًا،
وَكَانَ الْقَلْبُ يُخْفِي أَثَرَهُ بِالضَّحِكِ،
لِئَلَّا يَرَاهُ مَنْ يُحِبُّونَ الظَّاهِرَ فَقَطْ.

قَالَ اللَّيْلُ: هُنَاكَ تَعَبٌ يَحْتَاجُ اسْمًا،
وَقَالَ الصُّبْحُ: هُنَاكَ دَمْعٌ يَحْتَاجُ كَتِفًا،
وَقَالَتِ الرِّيحُ: هُنَاكَ قَلْبٌ يَحْتَاجُ إِذْنًا،
وَبَقِيَتِ الْكَلِمَاتُ مُعَلَّقَةً بِلَا وَصُولٍ.

لَا بُطُولَةَ فِي الْفَقْدِ،
وَلَا شِعْرَ فِي الْغِيَابِ،
الْحِكَايَةُ كُلُّهَا نَقْصُ يَدٍ حَنُونٍ،
وَتَأَخُّرُ سُؤَالٍ صَغِيرٍ عَنْ وَقْتِهِ.

الطُّرُقُ الَّتِي عَرَفَتْ خُطَاهَا
تَحْمِلُ الْآنَ وَقْعًا مُخْتَلِفًا،
وَالأَشْجَارُ تَحْنُو كَأَنَّهَا تَفْهَمُ،
أَنَّ بَعْضَ الرُّوحِ يَذْبُلُ فِي الظِّلِّ.

الْوُجُوهُ الَّتِي مَرَّتْ قَرِيبًا
تَتَذَكَّرُ تَأَخُّرَ التَّحِيَّةِ،
وَتَعْرِفُ أَنَّ الاِنْشِغَالَ أَثْقَلُ خَطَأً،
مِنْ أَنْ يُغْفَرَ بَعْدَ الرَّحِيلِ.

يَا أُمَّهَاتِ الْقَلْبِ،
لَيْسَ الصَّبْرُ كِتْمَانًا،
وَيَا آبَاءَ الصَّمْتِ،
الْقُوَّةُ فِي الاِعْتِرَافِ بِالتَّعَبِ.

يَا أَصْدِقَاءَ الْيَوْمِ الْعَابِرِ،
الْمَسَاءُ يَحْتَاجُ رِسَالَةً،
وَالْقَلْبُ يَحْتَاجُ تَأْكِيدًا،
أَنَّهُ مَرْئِيٌّ فِي هَذَا الْعَالَمِ.

لَيْسَ فِي الذِّكْرَى مَشْهَدٌ،
بَلْ دَرْسٌ يَكْتُبُهُ الْغِيَابُ،
أَنَّ الرِّفْقَ أَقْصَرُ الطُّرُقِ،
وَأَنَّ الْقَسْوَةَ طَرِيقٌ لَا عَوْدَةَ مِنْهُ.

فِي كُلِّ بَيْتٍ نَافِذَةٌ
يُمْكِنُ أَنْ تَصِيرَ جَسْرًا،
وَفِي كُلِّ قَلْبٍ مَكَانٌ
لِمَنْ يَخَافُ مِنْ سُقُوطِهِ.

لَيْسَ الرِّثَاءُ دَمْعًا فَقَطْ،
بَلْ عَهْدٌ بِأَنْ نُصْغِي،
وَبِأَنْ نُبَادِرَ إِلَى الْحَنَانِ،
قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْوَقْتُ مُتَأَخِّرًا.

تَتَعَلَّمُ الْمَدِينَةُ بَعْدَ الْفَقْدِ
لُغَةً أَخَفَّ،
وَيَتَعَلَّمُ النَّاسُ أَنَّ الْكَلِمَةَ
قَدْ تُنْقِذُ عُمْرًا كَامِلًا.

فِي الذَّاكِرَةِ وَرْدَةٌ
لَا تُسَمَّى،
وَفِي الْقُلُوبِ مَقْعَدٌ
يَبْقَى لَهَا خَالِيًا وَدَافِئًا.

هَذَا الرِّثَاءُ لَيْسَ لِلْغِيَابِ،
بَلْ لِلَّذِينَ بَقُوا،
كَيْ يَحْمِلُوا الرِّفْقَ مِثْلَ مَاءِ الصَّبَاحِ،
وَيُؤْمِنُوا أَنَّ النُّورَ يَبْدَأُ بِكَتِفٍ قَرِيبٍ.

التَّوْقِيعُ: عَبْدُهُ حَقِّي


0 التعليقات: