الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( كليلة ودمنة ) إعداد عبده حقي

 


كتاب كليلة ودمنة واحد من أشهر كتب التراث الإنساني، ليس فقط في العالم العربي بل في العالم كله. كثير من الناس يظنون أنه مجرد قصص للأطفال لأن أبطاله حيوانات تتكلم، لكن الحقيقة أنه كتاب عميق موجَّه للكبار قبل الصغار. إنه كتاب في السياسة والأخلاق وفهم البشر… لكنه اختار أن يقول ذلك بطريقة ذكية حتى لا يغضب الملوك.

مؤلف الكتاب هو الأديب الكبير عبد الله بن المقفع، وهو من أوائل من صنعوا النثر العربي الجميل. لم يكتب القصص من خياله مباشرة، بل نقلها من كتاب هندي قديم اسمه “الفصول الخمسة”، ثم أعاد صياغته بالعربية بأسلوب رائع، وأضاف إليه روحًا عربية وفلسفة خاصة. وهكذا تحولت الحكايات إلى تحفة أدبية خالدة.

فكرة الكتاب بسيطة ومبتكرة: الحيوانات تعيش مثل البشر، تتآمر، تصادق، تخون، وتبحث عن السلطة. ومن خلال قصصها نفهم نحن أنفسنا. فبدل أن يقول الكاتب للملك: “مستشارك منافق”، يحكي له قصة أسد وثعلب! الملك يفهم الرسالة… ولا يغضب.

أشهر شخصيتين في الكتاب هما كليلة ودمنة، وهما ابنا آوى (يشبهان الثعالب). كليلة حكيم وهادئ، أما دمنة فطموح وماكر. دمنة يريد أن يقترب من الملك الأسد ليصبح صاحب نفوذ. ومن هنا تبدأ الحكاية الأشهر في الكتاب.

الأسد كان صديقًا للثور “شَتْرَبَه”. أصبحا قريبين جدًا، وهذا أغضب دمنة لأنه شعر أن مكانته ضعفت. فبدأ يزرع الشك في قلب الأسد، ثم في قلب الثور. كل واحد صار يخاف من الآخر… وفي النهاية قتل الأسد صديقه بسبب الإشاعة.

هذه الحكاية ليست عن الحيوانات. إنها عن النميمة في البلاط، عن المستشارين الفاسدين، وعن القادة الذين يسمعون الوشاية بدل الحقيقة. ابن المقفع يقول لنا: أخطر سلاح في السياسة ليس السيف… بل الكلمة.

في قصة أخرى نجد السلحفاة التي كانت تتكلم كثيرًا. أرادت أن تطير مع بطتين تحملانها بعصا بين فميهما، لكنهما حذرتاها: لا تتكلمي. في الطريق سخر الناس منها، فلم تتحمل وردّت عليهم… فسقطت وماتت. الرسالة واضحة: أحيانًا الصمت ينقذ الحياة.

وهناك قصة القرد والغيلم (السلحفاة البحرية) التي حاولت خداع القرد لتأخذ قلبه لزوجها المريض. القرد تظاهر بالغباء، ثم أنقذ نفسه بالذكاء. هذه القصة تعلمنا أن الذكاء ليس في القوة بل في سرعة التفكير.

كل حكاية في الكتاب تنتهي بحكمة. أحيانًا عن الصداقة، أحيانًا عن اختيار الحاكم، وأحيانًا عن خطر الطمع. لذلك كان الكتاب يُقرأ قديمًا للأمراء الصغار حتى يتعلموا الحكم قبل أن يصلوا إلى العرش. إنه يشبه مدرسة سياسية لكن على شكل قصص ممتعة.

أسلوب ابن المقفع بسيط لكنه أنيق. الجمل قصيرة، والأمثال كثيرة، والحوار ممتع. القارئ يشعر أنه أمام فيلم قديم لكنه يتحدث عن عالم اليوم. ستلاحظ أن مشاكل البشر لم تتغير: الطمع، الغيرة، السلطة، والخداع… كلها موجودة منذ آلاف السنين.

الغريب أن الكتاب نجا من الزمن لأنه لم يهاجم أحدًا مباشرة. لو قال الكاتب كلامه صراحة ربما قُتل فورًا. لكنه وضع الحكمة في أفواه الحيوانات، فصار كل ملك يقرأه ويظن أنه يتعلم فقط… بينما هو يتلقى نقدًا سياسيًا عميقًا.

لهذا السبب ظل كليلة ودمنة حيًا أكثر من ألف عام. تُرجم إلى عشرات اللغات، وقرأه ملوك وفلاسفة وأطفال. كل قارئ يفهمه بطريقته: الطفل يرى مغامرة، والكبير يرى فلسفة، والسياسي يرى مرآة للسلطة.

اليوم ما زال الكتاب صالحًا لعصرنا. في مواقع التواصل مثلًا نرى “دمنة” في شكل حساب ينشر الشائعات، ونرى “الأسد” في شخص يصدق كل ما يقال، ونرى “الثور” ضحية الأخبار الكاذبة. كأن ابن المقفع كتب لعالم الإنترنت قبل أن يولد.

في النهاية، كليلة ودمنة ليس مجرد كتاب قديم، بل دليل لفهم البشر. يخبرنا أن الحكمة قد تأتي من قصة بسيطة، وأن من يفهم الحكايات يفهم الحياة. وربما لهذا السبب بقيت الحيوانات فيه أكثر عقلًا من كثير من الناس.



0 التعليقات: