الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 17، 2026

الخبر الذي يلمس الجسد قبل أن يقنع العقل: عبده حقي

 


لم تعد المادة الصحفية مجرد نص يُقرأ أو صورة تُشاهَد؛ لقد بدأت تتحول تدريجياً إلى تجربة تُعاش، كأن الخبر لم يعد نافذة على الواقع بل غرفة ندخلها بكامل أجسادنا. في هذا التحول تتقاطع التكنولوجيا مع الإدراك الإنساني، ويصبح السؤال أقل ارتباطاً بالمعلومة وأكثر ارتباطاً بالإحساس بها. هكذا تظهر المقالات متعددة الحواس: أخبار تُصاغ بحيث يمكن سماعها محيطياً، أو حتى شمّها عبر أجهزة رقمية، في محاولة لإعادة تعريف معنى التلقي الإعلامي في القرن الحادي والعشرين.

منذ زمن بعيد لمح مارشال ماكلوهان في كتابه Understanding Media إلى أن الوسيط نفسه يغيّر بنية الإدراك، وأن التكنولوجيا ليست مجرد أداة لنقل الرسالة بل بيئة تعيد تشكيل الحواس. كان التلفزيون عنده يختلف عن الكتاب لأن الأول يعيد توزيع الانتباه الحسي، واليوم يبدو أن الإعلام الرقمي يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يعيد توزيع الحواس فحسب بل يدمجها. إن الصوت المحيطي في التقارير الوثائقية، والاهتزازات اللمسية في بعض التطبيقات الإخبارية، والتجارب التجريبية لإضافة الروائح إلى السرد الصحفي، ليست زخارف تقنية، بل إعلان عن ميلاد نموذج إدراكي جديد.

في السنوات الأخيرة بدأ عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى يختبر هذا الاتجاه. صحيفة The New York Times نشرت تقارير بتقنية الصوت ثلاثي الأبعاد حول الحرائق في كاليفورنيا، بحيث يسمع المتلقي أزيز النيران من خلفه وصوت الريح إلى جانبه، وكأنه يقف داخل المشهد. أما The Guardian فقد أنتجت تجربة واقع افتراضي حول العزلة الانفرادية في السجون، حيث يسمع القارئ الصمت بوصفه صوتاً خانقاً، وهو تعبير قد يبدو مجازياً لكنه يتحقق حرفياً عبر التصميم الصوتي. هذه الأمثلة تشير إلى أن الخبر لم يعد يعتمد على الوصف البلاغي وحده، بل صار يصنع الإحساس مباشرة، كأن اللغة لم تعد تشرح الرعب بل تضعنا فيه.

الانتقال إلى حاسة الشم يبدو أكثر جرأة. ظهرت شركات مثل Olorama وFeelreal تطور أجهزة تطلق روائح متزامنة مع المحتوى الرقمي، وقد استُخدمت تجريبياً في المتاحف والألعاب، ثم بدأت بعض الجامعات الإعلامية إدماجها في مختبرات الصحافة الغامرة. تخيل تقريراً عن غابة الأمازون لا يكتفي بصوت المطر بل يبعث رائحة الطين الرطب، أو تحقيقاً عن التلوث الصناعي يحمل نفحة كيميائية خفيفة تزعج المتلقي بقدر ما تزعج سكان المنطقة. في هذه اللحظة لا يعود الخبر معلومة بل تجربة أخلاقية، لأن الجسد نفسه يصبح شاهداً.

يُذكّر هذا التحول بما تحدث عنه بيونغ-تشول هان في كتابه In the Swarm حول انتقال التواصل من السرد إلى الانطباع الفوري. لكن الإعلام متعدد الحواس يذهب أبعد من “الانطباع”، إذ يعيد بناء ما يمكن تسميته بالذاكرة الحسية. فالإنسان يتذكر الرائحة أكثر مما يتذكر الجملة، ويتذكر الصوت أكثر مما يتذكر الفقرة. لذلك يصبح الخبر متعدد الحواس قريباً من الذاكرة، بينما الخبر النصي قريب من الأرشيف. الفرق بين الاثنين يشبه الفرق بين زيارة مدينة وقراءة خريطتها.

غير أن هذا التطور يطرح إشكاليات معرفية وأخلاقية. الصحافة تقليدياً تفترض مسافة بين الحدث والمتلقي لضمان التأمل العقلاني، أما التجربة الحسية فتقرب الحدث حتى يكاد يلامس الأعصاب. هل يؤدي ذلك إلى زيادة التعاطف أم إلى التلاعب؟ هنري جينكنز في Convergence Culture حذّر من أن اندماج الوسائط يخلق مشاركة عاطفية عالية، لكنها قد تقلل من النقد لأن المشاهد يصبح مشاركاً لا مراقباً. إذا شمّ القارئ رائحة البارود في تقرير حربي فقد يتعاطف بعمق، لكنه قد يفقد القدرة على تقييم السياق السياسي ببرود تحليلي.

التاريخ الإعلامي يقدم سابقة طريفة: تجربة “Smell-O-Vision” في السينما الأمريكية خلال ستينيات القرن الماضي، حيث كانت القاعات تطلق روائح متزامنة مع الفيلم. فشلت التجربة تجارياً لكنها كشفت رغبة قديمة في تحويل المشاهدة إلى معايشة. الفرق اليوم أن التقنية الرقمية تسمح بتخصيص التجربة لكل فرد، لا لجمهور جماعي. نحن لا نجلس في قاعة واحدة بل نحمل القاعة في أجهزتنا، وهذا ما يجعل الصحافة متعددة الحواس أقرب إلى تجربة شخصية، كأن لكل قارئ نسخته الخاصة من الواقع.

يظهر هنا بعد سياسي أيضاً. فالأخبار التي تُحَس قد تصبح أكثر تأثيراً في الرأي العام من الأخبار التي تُقرأ. تقارير اللاجئين مثلاً، إذا صُممت بحيث يسمع المتلقي ضجيج القوارب ويشعر بارتجاجها عبر اهتزاز الهاتف، فقد تغير موقفه أكثر من مئة مقال تحليلي. وهذا يذكّر بدور الصورة الفوتوغرافية في حرب فيتنام حين غيّرت مزاج المجتمع الأمريكي، لكن الصورة كانت تعتمد على البصر فقط، بينما الخبر متعدد الحواس يشرك الجسد كله في الموقف.

ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه التقنيات بديلاً عن اللغة. اللغة ما زالت قادرة على ما لا تستطيع التقنية فعله: تفسير المعنى. الرائحة قد تجعلنا نشعر بالكارثة، لكنها لا تشرح أسبابها الاقتصادية أو السياسية. لذلك يبدو المستقبل في التوازن، حيث يصبح النص إطاراً للفهم، وتصبح الحواس جسراً للتجربة. يشبه الأمر قراءة رواية تاريخية مرفقة بزيارة موقع أثري؛ المعرفة لا تكتمل إلا بالاثنين معاً.

في الأوساط الأكاديمية بدأت دراسات الإعلام الحسي تتوسع، خصوصاً في الجامعات الأوروبية واليابانية التي تبحث في “التواصل الشمي”. بعض الباحثين يقارنون هذه المرحلة بانتقال الصحافة من الورق إلى الصورة المتحركة في بدايات القرن العشرين. آنذاك اعتقد البعض أن السينما ستقتل القراءة، لكنها لم تفعل بل أعادت تعريفها. واليوم قد تعيد المقالات متعددة الحواس تعريف الخبر نفسه: من نص يُستهلك إلى تجربة تُتذكر.

يبقى السؤال الأخير متعلقاً بالإنسان أكثر من التقنية. فالحواس، رغم قوتها، ليست محايدة؛ إنها طريق مباشر إلى العاطفة. إذا أُسيء استخدامها قد تتحول الصحافة إلى مسرح إثارة دائم، وإذا استُخدمت بحكمة قد تعيد إلينا القدرة على التعاطف في زمن التشبع المعلوماتي. ربما لهذا السبب تبدو المقالات متعددة الحواس كأنها محاولة لإعادة الدهشة الأولى أمام العالم، تلك الدهشة التي تحدث عنها إيتالو كالفينو في Why Read the Classics حين اعتبر أن النص الحقيقي لا يُقرأ مرة واحدة بل يُعاد اكتشافه في كل قراءة.

الخبر القادم لن يكون مجرد جملة تقول إن المطر يهطل في مدينة بعيدة؛ سيكون رنينه في الأذن ورائحته في الهواء الافتراضي. عندها سيغدو الإعلام أقرب إلى الذاكرة الإنسانية من أي وقت مضى، وستصبح الصحافة فناً يكتب بالعين والأذن والأنف معاً، كما لو أن الواقع نفسه قرر أن يتكلم بكل لغاته دفعة واحدة.


0 التعليقات: