الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 17، 2026

الصحراء المغربية في هندسة التوازنات الكبرى: عبده حقي


استضافت قناة " فرانس24 في حوار حصري مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، لمناقشة أبرز الملفات الإقليمية والدولية. تناول الحوار تطورات قضية الصحراء المغربية بعد اجتماع مدريد. وأكد بولس على ثبات موقف واشنطن الداعم لمغربية الصحراء مع استمرار جهود الحوار لإيجاد حل سياسي مقبول. كما تطرق إلى مواضيع أخرى كالأزمة الإنسانية في السودان وغيرها من الأزمات العربية والإفريقية.

إن قراءة هذا الحوار من الرباط تختلف جذرياً عن قراءته من أي عاصمة أخرى. فالكلمات التي تبدو دبلوماسية عادية في ظاهرها تخفي في عمقها تحولاً في موقع القضية داخل النظام الدولي. ما قيل ليس مجرد تعليق أمريكي على نزاع إقليمي، بل وصف دقيق لطريقة إدارة واشنطن لمرحلة ما بعد الصراع، أي المرحلة التي لا يكون فيها السؤال من يربح، بل متى يعلن الجميع أنهم لم يخسروا.

أول ما يلفت الانتباه في هذا الحوار هو تكرار المسؤول الأمريكي لفكرة ثابتة: الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء لا يتغير، ومع ذلك العمل يجري تحت سقف قرار مجلس الأمن. في الظاهر يبدو الأمر تناقضاً، لكن في منطق العلاقات الدولية هو توزيع أدوار. الاعتراف هو السقف السياسي، أما القرار الأممي فهو المسار الإجرائي الذي يسمح ببناء توافق تدريجي. واشنطن هنا لا تتراجع عن موقفها، لكنها تتيح لبقية الأطراف أن تصل إليه دون صدمة سياسية مباشرة. إنها دبلوماسية الوصول البطيء إلى النتيجة المعروفة.

من هذه الزاوية لم تعد الولايات المتحدة وسيطاً تقليدياً بين طرفين، بل مهندساً لمسار تفاوضي يقود نحو نقطة محددة سلفاً. فالوسيط يطرح حلولاً متعددة، أما المهندس فيصمم طريقاً واحداً بعدة مسارات نفسية. لذلك يتكرر الحديث عن استمرار اللقاءات وسريتها، لأن الهدف ليس إعلان اتفاق فجائي بل خلق قناعة مشتركة بأن الاتفاق هو الخيار الطبيعي الوحيد.

التحول الأعمق يظهر في موقع الجزائر داخل الخطاب. فالمسؤول الأمريكي يصفها بالشريك الاستراتيجي ويشيد باتفاق الدفاع معها، ثم يؤكد أنها مراقب وليست طرفاً. هذه ليست مفارقة لغوية، بل تقنية سياسية. واشنطن تحاول إدخال الجزائر في عملية الحل من دون أن تطالبها بالاعتراف بأنها طرف النزاع. أي نقلها من موقع المواجهة إلى موقع الضامن، ومن خطاب الرفض إلى خطاب المساهمة. في الدبلوماسية، حفظ ماء الوجه شرط أساسي لإنهاء النزاعات الطويلة، ولذلك يجري تحميل الجزائر مسؤولية غير معلنة بدل فرض اعتراف معلن.

في المقابل يتغير موقع الحكم الذاتي داخل النقاش. لم يُطرح كخيار بين خيارات، ولم يناقش كفكرة تحتاج قبولاً، بل كإطار يُترك للمغرب إعلان تفاصيله. هذه النقطة بالذات تحمل دلالة عميقة؛ فالطرف الذي يُطلب منه عرض تفاصيل الحل هو الطرف المفترض أنه صاحب السيادة على الأرض. هنا ينتقل المقترح من مبادرة تفاوضية إلى أرضية سياسية ثابتة. لم يعد السؤال هل يمكن تطبيق الحكم الذاتي، بل أي صيغة تنظيمية ستُعلن لاحقاً.

أما لقاء مدريد فيظهر كمرحلة تحضيرية لا مكان قرار. فالحديث عن قمة مرتقبة في واشنطن يكشف أن المفاوضات تمر بمراحلها الكلاسيكية: مشاورات صامتة، توافق غير معلن، ثم إعلان سياسي كبير. مدريد إذن ليست هدفاً بل جسر عبور نحو إعلان لاحق، ربما لا يحمل اسم اتفاق سلام بل اسم ترتيب إقليمي شامل.

في الخلاصة، يكشف الحوار أن الملف غادر مرحلة الصراع المفتوح ودخل مرحلة التسوية البطيئة. الاعتراف لم يعد موضوع نقاش، والحكم الذاتي أصبح أساساً عملياً، والجزائر يجري إدماجها في الحل، والأمم المتحدة تتحول إلى منصة تنفيذ لا منصة اقتراح. لم يُعلن انتهاء النزاع بعد، لكن العالم بدأ يتصرف وكأنه انتهى نظرياً ويحتاج فقط إلى إخراجه السياسي المناسب.

في السياسة الدولية لا تُحسم القضايا الكبرى بقرار مفاجئ، بل بلحظة يتوقف فيها الفاعلون عن تخيل بدائل أخرى. وما يظهر في هذا الحوار أن تلك اللحظة تقترب، ليس لأن أحداً انتصر بشكل كامل، بل لأن التوازنات الكبرى قررت أن الاستقرار أهم من استمرار الانتظار.

0 التعليقات: