لم تعد اللغة مجرد أداة تواصل، بل تحوّلت إلى معيار للسلطة المعرفية في العصر الرقمي. وفي هذا السياق جاءت مشاركة مبادرة «بالعربي» التابعة لمؤسسة قطر في بطولة المملكة المتحدة الثانية لمناظرات الجامعات باللغة العربية بجامعة أوكسفورد، لتضع سؤال العدالة المعرفية الرقمية في واجهة النقاش الأكاديمي العالمي، داخل واحدة من أعرق المؤسسات الفكرية في أوروبا.
الحدث لم يكن مجرد مسابقة طلابية، بل فضاء فكري جمع باحثين وخبراء ومناظرين من جامعات بريطانية وعربية لمناقشة موقع اللغة العربية في عالم تتحكم فيه الخوارزميات والمنصات الكبرى وشركات التكنولوجيا العملاقة.
مناظرات باللغة العربية داخل الفضاء الأكاديمي الغربي
استضافت جامعة أوكسفورد النسخة الثانية من البطولة بمشاركة نحو 20 جامعة بريطانية، في تجربة تعكس انتقال اللغة العربية من إطارها الثقافي التقليدي إلى منصة حوار معرفي عالمي .
وشهدت المنافسات نقاشات عميقة حول قضايا معاصرة، أبرزها العدالة الرقمية ومكانة العربية في مشهد إنتاج المعرفة الحديث .
اللافت أن البطولة لم تقتصر على الجانب التنافسي، بل تحولت إلى مؤتمر فكري مصغّر؛ إذ نظّمت مبادرة «بالعربي» جلسات حوارية ومائدة مستديرة تناولت دور العالم العربي في مواجهة تحديات مشتركة مثل الهجرة والتغير المناخي والأمن الغذائي .
بهذا المعنى، أصبحت المناظرة العربية أداة دبلوماسية ثقافية ناعمة، تنقل النقاش العربي من رد الفعل إلى صناعة الفكرة.
العدالة المعرفية الرقمية: القضية المركزية
في اليوم الأول، حملت الجلسة الرئيسية عنوان “اللغة العربية والعدالة المعرفية في العالم الرقمي”، حيث ناقش المتحدثون علاقة العربية بالذكاء الاصطناعي والخوارزميات .
ركز النقاش على ثلاث إشكالات رئيسية:
-
ضعف تمثيل العربية في أنظمة الذكاء الاصطناعي
-
انحياز البيانات لصالح اللغات المهيمنة
-
ما يسمى بالاستعمار الرقمي للمعرفة
فالعالم الرقمي، كما أكد المشاركون، لا يعكس توازن الحضارات بل توازن الشركات. فالخوارزمية تتعلم مما يتوفر لها، وما يتوفر لها أساسًا مكتوب بالإنجليزية.
لذلك تصبح اللغة العربية مستخدماً مستهلكاً للمعلومة أكثر منها منتجاً لها.
وقد شددت الجلسة على ضرورة بناء حضور عربي رقمي فاعل ينتقل من الاستهلاك إلى الإنتاج المعرفي .
اللغة العربية في عصر الخوارزميات
طرحت المناقشات سؤالاً عميقاً:
هل يمكن للغة أن تكون ضحية تقنية؟
في الواقع، تشير الدراسات إلى أن الخوارزميات تعتمد على “وفرة البيانات”، وهي قاعدة تضع العربية في موقع متأخر مقارنة بالإنجليزية والصينية.
وهنا يظهر مفهوم العدالة المعرفية: ليس أن تتساوى اللغات نظرياً، بل أن تتساوى فرصها في الظهور داخل التكنولوجيا.
المشاركون اعتبروا أن إقصاء العربية رقمياً يعني إقصاء ثقافي وحضاري، لأن المعرفة الحديثة تُنتج داخل المنصات قبل الكتب.
مناظرات الشباب وبناء القوة الناعمة
تعمل مبادرة «بالعربي» ومركز مناظرات قطر على تطوير الحوار النقدي لدى الشباب وتعزيز المشاركة الفكرية العالمية .
وتهدف المشاركة الدولية إلى تحويل اللغة العربية من لغة تراث إلى لغة تفكير علمي وحوار عالمي .
المناظرات هنا ليست تدريباً بل مشروعاً حضارياً:
فالشاب الذي يناقش الذكاء الاصطناعي بالعربية يخلق مفردات علمية عربية جديدة، ويكسر احتكار المصطلح الغربي.
الهجرة والذاكرة والاقتصاد المعرفي
في المائدة المستديرة طُرحت رؤية مختلفة لقضية الهجرة:
ليست أزمة، بل رأسمال بشري عربي عالمي.
وأشير إلى أن قيمة الكفاءات العربية في المهجر تتجاوز تريليوني دولار وفق تقديرات دولية .
هذا الطرح يربط العدالة المعرفية بالاقتصاد:
من يملك المعرفة يملك السوق، ومن يملك اللغة يملك المعرفة.
أوكسفورد كرمز ثقافي
اختيار جامعة أوكسفورد لم يكن صدفة.
فالجامعة تمثل تاريخ السلطة المعرفية الغربية، وحضور العربية فيها يرمز إلى انتقال الحوار من الهامش إلى المركز.
أحد المنظمين أكد أن استضافة أوكسفورد رسالة بأن الحوار العربي يمكن أن يكون جسراً للتفاهم بين الثقافات .
وهذا يغيّر صورة العربية في الغرب:
من لغة منطقة إلى لغة فكرة.
نحو سيادة معرفية عربية
تكشف هذه المبادرة أن معركة المستقبل ليست سياسية فقط، بل معرفية رقمية.
فالسيادة الحديثة لا تُقاس بالحدود بل بالبيانات.
إذا بقيت العربية خارج الذكاء الاصطناعي، ستبقى خارج المستقبل.
لهذا تحاول مبادرات مثل «بالعربي» نقل النقاش من سؤال الهوية إلى سؤال الإنتاج:
كيف نكتب المعرفة؟
ومن يملك حق تعريف العالم؟
خلاصة
لم تكن مناظرات أوكسفورد مجرد حدث طلابي، بل لحظة رمزية في تاريخ اللغة العربية داخل العصر الرقمي.
فهي المرة التي يناقش فيها الشباب العرب موقع لغتهم داخل الخوارزمية نفسها، لا داخل القصيدة فقط.
العدالة المعرفية الرقمية هنا تعني ببساطة:
أن يكون للعربية الحق في أن تفكر، لا فقط أن تُترجم.
ومن أوكسفورد تحديداً بدأت الإجابة:
اللغة التي تدخل المختبر ستبقى، والتي تبقى في المتحف ستختفي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق