الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، فبراير 15، 2026

فضيحة إبستين على أبواب الجزائر: عبده حقي


منذ انفجار قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين تحولت الوثائق القضائية إلى ما يشبه قنبلة جيوسياسية متنقلة. لم تعد القضية مجرد شبكة استغلال جنسي عابرة للقارات، بل صارت أرشيفاً ضخماً يربط المال بالنفوذ وبالسلطة، ويجر خلفه أسماءً من عالم السياسة والأعمال والاستخبارات.

في الأسابيع الأخيرة، برز اسم جديد داخل هذه المتاهة: دانيال عمار سياد، وهو فرنسي الجنسية جزائري الأصل، وُصف في التحقيقات بأنه من بين الوسطاء الذين يُشتبه في تجنيدهم فتيات لصالح إبستين.

النيابة العامة في باريس تلقت شكوى تتهمه بالاغتصاب والاتجار بالبشر ضمن هذه الشبكة الدولية ، كما أن اسمه ورد مرات عديدة في الوثائق الأمريكية التي كُشف عنها مؤخراً .

لكن ما جعل الملف يتجاوز نطاق الجريمة إلى السياسة هو محاولة ربط هذا الشخص بشخصيات عسكرية جزائرية رفيعة، وعلى رأسها قائد أركان الجيش.

من شبكة الاستغلال إلى شبكة النفوذ

قضية إبستين أثبتت خلال السنوات الماضية أنها لم تكن مجرد شبكة دعارة للنخبة، بل منظومة نفوذ معقدة.

كان الرجل يستهدف فتيات صغيرات السن، ويقدمهن لرجال أعمال وسياسيين ومسؤولين نافذين، ما جعل القضية تُقرأ غالباً كأداة ابتزاز محتملة.

في هذا السياق يظهر دور الوسطاء أو “المجندين.

وتشير التقارير الفرنسية إلى أن دانيال سياد كان يقدم نفسه بأسماء وهويات متعددة ويُشتبه في قيامه بتجنيد شابات لصالح الشبكة .

الخطير هنا ليس شخصه وحده، بل طبيعة العلاقات التي كانت تحيط به:

تنقل بين أوروبا

علاقات برجال أعمال

اقتراب من دوائر حساسة

هذه التركيبة هي ما فتح الباب أمام قراءات سياسية تتجاوز القضاء.

دخول العامل الجزائري

بمجرد ظهور الأصل الجزائري لسياد، دخلت القضية مجال الصراع الإعلامي المغاربي.

بعض المنابر ذهبت بعيداً، فربطت بين نشاطه وبين مسؤولين عسكريين كبار، معتبرة أن علاقاته الاجتماعية والمالية قد تكون امتدت إلى دوائر السلطة.

غير أن هذه المزاعم لم تصدر عن جهة قضائية أو تحقيق رسمي، بل بقيت في إطار تسريبات إعلامية وتحليلات سياسية متضاربة.

وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة:

قضايا الابتزاز الجنسي تاريخياً استُخدمت كثيراً في عالم الاستخبارات.

فهي وسيلة ضغط مثالية:

لا تحتاج وثائق مالية

ولا شهوداً سياسيين

وتكفي صورة واحدة لتدمير مسيرة كاملة

لذلك يصبح مجرد ذكر اسم مسؤول كبير قرب شبكة من هذا النوع حدثاً سياسياً حتى دون إثبات.

لماذا تتحول فضيحة جنسية إلى ملف سيادي؟

الجواب بسيط:

الجيوش في الأنظمة المغلقة ليست مؤسسة دفاع فقط، بل مركز السلطة الحقيقي.

ولهذا فإن أي شبهة ابتزاز أو اختراق داخل محيط القيادة العسكرية تعني نظرياً:

إمكانية الضغط الخارجي

قابلية التأثير في القرار السيادي

هشاشة النظام السياسي

من هنا نفهم لماذا تتضخم هذه القصص إعلامياً حتى قبل صدور أحكام قضائية.

حرب الروايات

ما يجري اليوم ليس تحقيقاً قضائياً بقدر ما هو صراع سرديات:

السردية الأولى

ترى أن الملف مجرد حملة سياسية تستهدف المؤسسة العسكرية الجزائرية عبر ربطها بفضيحة عالمية لإضعاف صورتها دولياً.

السردية الثانية

تعتبر أن شبكة إبستين كانت واسعة لدرجة يصعب استبعاد أي علاقة محتملة لرجال نفوذ حول العالم، وأن الكشف التدريجي للأسماء قد يحمل مفاجآت.

الحقيقة حتى الآن:

لا توجد وثيقة قضائية منشورة تربط رسمياً قائد الأركان الجزائري بالقضية.

الدرس الأهم: عصر الفضائح العابرة للحدود

قضية إبستين تقدم نموذجاً جديداً في العلاقات الدولية:

الفضيحة أصبحت سلاحاً استراتيجياً.

في القرن الماضي كانت الدول تُبتز بالديون أو النفط.

اليوم تُبتز بالأرشيف الرقمي.

ملف واحد يمكن أن يؤثر في:

الانتخابات

التحالفات

القرارات العسكرية

ولهذا تتعامل أجهزة الاستخبارات مع هذا النوع من القضايا كتهديد أمني، لا كجريمة أخلاقية فقط.

0 التعليقات: