الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 16، 2026

مرافئ الإبداع من الرباط إلى القارة السمراء: إعداد عبده حقي

 


يشهد المشهد الثقافي والفني في المغرب والعالم العربي وإفريقيا خلال هذه الأيام حركية كثيفة تكاد تجعل الفنون لغة دبلوماسية موازية للسياسة والاقتصاد. فالأحداث المتتالية في المعارض والمهرجانات والملتقيات تشير إلى أن الثقافة لم تعد مجرد ترف رمزي، بل تحولت إلى فضاء للنفوذ الناعم وصناعة الصورة الجماعية للمجتمعات.

المغرب: عودة المدن إلى دورها الحضاري

في المغرب تبدو المدن الكبرى وكأنها تستعيد تاريخها كعواصم للتلاقي الفني. فقد عاشت الدار البيضاء مؤخراً على إيقاع ملتقى النحت والخزف الذي جمع فنانين مغاربة وأجانب في معرض جماعي وندوة فكرية حول التحولات الجمالية للفنون التشكيلية، إضافة إلى ورشات تكوينية لطلبة الفنون الجميلة بإشراف فنانين دوليين . هذا النوع من اللقاءات يعكس انتقال الفن المغربي من طور العرض المحلي إلى مرحلة الحوار العالمي.

وفي الرباط احتضنت العاصمة تظاهرة ثقافية ذات طابع دولي بمناسبة السنة الصينية الجديدة، حيث مزجت العروض والورشات الفنية بين ثقافات الشرق الأقصى والفضاء العربي، في نموذج واضح للدبلوماسية الثقافية متعددة الاتجاهات . حضور مثل هذه الفعاليات داخل المغرب يعكس تحوله إلى منصة ثقافية عابرة للقارات.

أما مراكش فقد تحولت خلال الأيام الماضية إلى ملتقى للفن الإفريقي المعاصر عبر معرض 1-54، الذي يجمع فنانين من القارة والشتات ويؤكد مكانة المدينة كأحد أهم مراكز الفن الإفريقي عالمياً . أهمية هذا الحدث لا تكمن في العرض الفني فقط، بل في شبكة العلاقات التي يخلقها بين المبدعين ودور العرض والمتاحف العالمية.

وفي الجديدة عاشت المدينة تجربة فنية غير مألوفة من خلال مهرجان فنون السيرك في دورته الأولى، وهو توجه جديد في المشهد الفني المغربي يسعى إلى جذب جمهور العائلات والأطفال وإدخال الفنون الحركية ضمن البرامج الثقافية .

كما يستمر عرض “المصالحة” للفنان نبيل بحية في الدار البيضاء ضمن سلسلة معارض بصرية تستهدف إعادة ربط الجمهور بالفن التشكيلي المعاصر ، بينما يستمر الأسبوع الوطني للصناعة التقليدية في إبراز التنوع الحرفي للمملكة عبر مشاركة حرفيين من مختلف الجهات .

هذه الأحداث المتزامنة تكشف أن الثقافة المغربية اليوم تتحرك في ثلاثة اتجاهات: تثمين التراث، استقبال الفنون العالمية، وصناعة فن حضري جديد يراهن على الجمهور الشاب.

العالم العربي: الثقافة بوصفها جسراً سياسياً

في العالم العربي تتخذ الثقافة بعداً دبلوماسياً واضحاً. ففي الشارقة افتتح معرض تشكيلي للفنانة التونسية دلال الصماري بعنوان “البين”، مقدماً أعمالاً نسجية معاصرة تستلهم الهوية المتوسطية . ويؤكد هذا النوع من المعارض بروز الفن النسوي العربي كصوت مستقل داخل المشهد الفني.

وفي الكويت انطلقت الدورة الحادية والثلاثون لمهرجان القرين الثقافي تحت شعار “إرث جديد وإبداع لا ينضب”، جامعاً المسرح والأدب والفنون البصرية في حدث سنوي يعكس محاولات الخليج لإعادة تعريف هويته الثقافية الحديثة .

أما في السعودية فتتواصل فعاليات العلا وشتاء طنطورة التي تحولت إلى مختبر ضخم للفنون العالمية والموسيقى والسينما ، بينما استضافت المملكة معرضاً للحوار الفني بين إيطاليا والسعودية يؤكد انفتاح الفن العربي على المدارس الأوروبية .

وفي الإمارات تستعد المسارح لحفلات موسيقية عالمية وعربية متنوعة تشمل أنماطاً من الأوبرا إلى البوب، في محاولة لتحويل المدن الخليجية إلى عواصم للترفيه الثقافي .

كما شهدت الدوحة انطلاق مهرجان قطر للحلال الذي يجمع التراث الشعبي بالعروض الثقافية في فضاء واحد ، بينما تعمل القاهرة على التحضير لمهرجان الفنون العربية بمشاركة دولية .

هذه التظاهرات تكشف تحولا مهماً: الثقافة العربية تتحرك نحو العالمية عبر المهرجانات الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تعيد اكتشاف تراثها الشعبي كعنصر جذب سياحي.

إفريقيا: الفن كهوية قارية مشتركة

في القارة الإفريقية يتجه الفن إلى لعب دور وحدوي. فقد افتتح مهرجان “نافذة على إفريقيا” في موسكو مقدماً الموسيقى والرقصات والتقاليد الإفريقية للجمهور الدولي . هذا الحدث يعكس انتقال الثقافة الإفريقية من كونها موضوعاً للعرض إلى فاعل في الساحة العالمية.

كما احتضن المغرب معرض الفن الإفريقي المعاصر بمشاركة فنانين من اثنتي عشرة دولة، ما يؤكد أن الرباط ومراكش أصبحتا منصتين رئيسيتين للفن الإفريقي .

وتبرز فعاليات الحرف التقليدية في المغرب، التي تجمع فنانين من عدة بلدان إفريقية، أهمية التعاون الثقافي القاري وتبادل الخبرات .

في الوقت ذاته تشهد بلدان إفريقية عدة انتشار مشاريع ثقافية عابرة للحدود، مثل مهرجانات الأدب الإفريقي التي تستعد نسختها القادمة في كندا لتعريف الشتات بثقافات القارة .

ثقافة عالم متعدد المراكز

ما يجمع هذه الأحداث هو تحوّل الثقافة إلى شبكة مترابطة لا مركز لها. فالمعرض الذي يبدأ في مراكش يجد امتداده في باريس، والمهرجان الخليجي يتقاطع مع الفنون الأوروبية، بينما تقدم إفريقيا نفسها كهوية ثقافية متكاملة.

المشهد الحالي يوحي بأن القرن الحادي والعشرين قد يشهد نهاية فكرة “المركز الثقافي الواحد”. فبدلاً من باريس أو نيويورك وحدهما، أصبح لكل مدينة قابليتها لأن تكون عاصمة فنية مؤقتة.

المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه الأندلسي الإفريقي، يبدو في قلب هذا التحول. فهو يربط إفريقيا بأوروبا والعالم العربي في آن واحد، ويقدم نموذجاً لدولة تستثمر في الثقافة كقوة ناعمة لا تقل أهمية عن الاقتصاد.

في المحصلة، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد أخبار فنية متفرقة، بل إعادة تشكيل للخريطة الثقافية العالمية، حيث تتقاطع الهويات وتتجاور اللغات ويصبح الفن مساحة تفاوض حضاري مفتوحة على المستقبل.


0 التعليقات: