لم يعد الحديث عن الصحافة منفصلاً عن التكنولوجيا، ولا عن الإعلام بعيداً عن الذكاء الاصطناعي. فخلال الساعات الأخيرة فقط، تكشف الأخبار المتدفقة من المغرب والعالم العربي وإفريقيا أن المهنة تدخل طوراً جديداً: غرفة الأخبار تتحول إلى مختبر رقمي، والمراسل إلى محلل بيانات، والجمهور إلى شريك في إنتاج المعنى. إنها لحظة انتقال حاسمة يعيشها المجال الإعلامي في فضاء جغرافي يمتد من الرباط إلى دبي ومن القاهرة إلى نيروبي.
المغرب: صحافة تبحث عن نموذجها في العصر الرقمي
في المغرب، يتضح أن التحول الإعلامي يتقدم على جبهتين متوازيتين: إصلاح مهني من الداخل، وانخراط دولي في الاقتصاد الرقمي من الخارج.
ففي الرباط احتضن منتدى الإعلام المجتمعي نقاشاً واسعاً حول دور الإعلام المحلي في ترسيخ المشاركة الديمقراطية، مع إطلاق دليل وطني لتأطير العمل الإعلامي المجتمعي بعد مشاركة أكثر من 140 فاعلاً من مختلف مناطق البلاد .
هذا الحدث لا يعكس فقط اهتماماً بالتنظيم، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة الصحفي في زمن المنصات الاجتماعية حيث بات المواطن نفسه منتجاً للخبر.
وفي سياق موازٍ، تعيش الصحافة الاستقصائية المغربية نقاشاً حول ما وصفته تقارير إعلامية بـ«المتاهة التشريعية»، حيث ما تزال البيروقراطية وثقافة حجب المعلومة تعرقل الوصول إلى البيانات .
وهنا يظهر التناقض: بلد يسعى إلى الانفتاح الرقمي، لكن آليات الشفافية لم تلحق بعد بسرعة البيانات.
على المستوى التكنولوجي، يبرز خبر اختيار المغرب ضيف شرف القمة الرقمية الدولية في مدريد نهاية فبراير، وهو حدث مخصص للعدالة الرقمية والتكنولوجيات الحديثة .
هذا المعطى مهم إعلامياً لأن صورة الدولة الرقمية أصبحت جزءاً من قوتها الناعمة: الصحافة المحلية تستفيد من سمعة الابتكار بقدر ما تسهم في صنعها.
كما يتقاطع ذلك مع الاحتفاء العالمي باليوم العالمي للإذاعة الذي ركز هذه السنة على الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الإبداع الإعلامي ، ما يعكس اتجاه المؤسسات الإعلامية المغربية نحو إعادة الاعتبار للإذاعة عبر التقنيات الذكية مثل توليد الصوت الآلي والترجمة الفورية.
بكلمات أخرى: المغرب ينتقل من إعلام مؤسساتي تقليدي إلى إعلام متعدد الوسائط، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في التكنولوجيا نفسها بل في القوانين والثقافة المهنية.
العالم العربي: صراع بين الابتكار والموثوقية
في الفضاء العربي، تتصدر مسألة الثقة الإعلامية النقاش أكثر من أي وقت مضى.
فالتحول الرقمي السريع جعل سرعة النشر أكبر من قدرة التحقق.
في السعودية، ناقش منتدى الإعلام 2026 أن الأتمتة والمنصات الرقمية تسرع الإنتاج الإخباري لكنها تجعل الحكم التحريري والتحقق أكثر أهمية من السابق .
وهذا يعكس تحوّل المهنة: الصحفي لم يعد كاتب خبر فقط بل مدقق خوارزميات.
وعلى المستوى المؤسسي، اعتمدت الأمم المتحدة مبادرة «مرصد الإعلام للاتصال الشامل والتحول الرقمي المستدام» التي أطلقها اتحاد الإعلام العربي لتعزيز الشفافية في الفضاء الرقمي .
المبادرة تشير إلى إدراك رسمي بأن الإعلام لم يعد مجرد قطاع ثقافي بل بنية تحتية للثقة الاجتماعية.
في الوقت نفسه، تتجه دول الخليج إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة والإعلام الحكومي، حيث تستخدم الإمارات التقنيات الذكية لتقليص البيروقراطية وتسريع الخدمات ، ما يعني أن الأخبار الرسمية نفسها قد تُكتب مستقبلاً بواسطة أنظمة تحليل بيانات حكومية.
لكن هذا التطور يطرح إشكالية جديدة: من يراقب الخوارزمية؟
خبراء دوليون يحذرون من أن تقدم الذكاء الاصطناعي سريع وغير منظم في غياب إطار عالمي موحد .
وفي غرف الأخبار العربية، تظهر فجوة أخرى: المؤسسات الصغيرة أقل قدرة على تبني الذكاء الاصطناعي، ما يعمق عدم المساواة الإعلامية داخل المنطقة .
أي أن التكنولوجيا قد تزيد الاحتكار الإعلامي بدلاً من تقليصه.
إفريقيا: الذكاء الاصطناعي يدخل المهنة عبر بوابة مكافحة التضليل
في إفريقيا جنوب الصحراء، لا يدور النقاش حول رفاهية التحول الرقمي بل حول حماية المجتمع من الأخبار الزائفة.
مؤخراً نظمت مؤسسات إعلامية إفريقية ندوة حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز نزاهة غرف الأخبار في عصر التضليل .
الهدف ليس فقط الإنتاج السريع بل اكتشاف الأخبار المفبركة تلقائياً، خصوصاً في فترات الانتخابات والصراعات.
القارة تواجه تحدياً مزدوجاً:
نقص الموارد البشرية من جهة، وتسارع انتشار وسائل التواصل من جهة أخرى.
ولهذا بدأت دول إفريقية التفكير في أطر تنظيمية تشاركية للذكاء الاصطناعي توازن بين الابتكار والعدالة الرقمية .
كما تشير دراسات حديثة إلى وجود فجوة كبيرة في جاهزية الدول الإفريقية لتبني الذكاء الاصطناعي، حيث تتقدم دول قليلة بينما تتأخر أخرى بسبب ضعف البنية التحتية والتعليم .
وهذا ينعكس مباشرة على الصحافة: جودة الخبر أصبحت مرتبطة بمستوى التطور التقني للدولة.
من جهة أخرى، تظهر برامج تدريب الصحفيين الشباب على محو الأمية الإعلامية وبناء الثقة المجتمعية باعتبارها أداة مقاومة للتطرف والأخبار الكاذبة .
هنا تعود الصحافة إلى دورها الكلاسيكي: بناء الحقيقة الجماعية، لكن باستخدام أدوات القرن الحادي والعشرين.
الخلاصة: الصحافة تتحول إلى صناعة معرفة
ما يجري اليوم في المغرب والعالم العربي وإفريقيا ليس تحديثاً تقنياً عادياً، بل انتقال حضاري داخل المهنة نفسها.
-
الخبر لم يعد نصاً بل نظام بيانات.
-
الصحفي لم يعد شاهداً بل محللاً رقمياً.
-
المؤسسة الإعلامية لم تعد ناشراً بل منصة خوارزمية.
في المغرب يظهر التحدي التشريعي، في العالم العربي معركة الثقة، وفي إفريقيا معركة التضليل.
لكن القاسم المشترك بينها جميعاً أن مستقبل الإعلام لن تحدده المؤسسات وحدها، بل العلاقة الجديدة بين الإنسان والآلة.
لقد دخلت الصحافة مرحلة يمكن وصفها بـ«التحرير الخوارزمي»:
حيث تُكتب الأخبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتُراجع بالتحليل البشري، وتُصدّق بثقة الجمهور.
وهنا تحديداً يصبح السؤال الحقيقي ليس بقاء الصحافة أو زوالها، بل شكلها القادم:
هل ستظل سلطة رابعة أم تتحول إلى شبكة معرفة جماعية يعيش داخلها الجميع؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق