الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 16، 2026

الرواية المتشعبة… الأدب الذي يغادر الورق ليقيم في الشبكات: عبده حقي

 


لم تعد الرواية المعاصرة تقيم في مكان واحد، ولم يعد القارئ يفتح الكتاب ليعثر على العالم داخله فقط، بل صار العالم نفسه يخرج من الكتاب ويتوزع في فضاءات متعددة كأن النص انفجر إلى شظايا مضيئة تتناثر بين الشاشة واللعبة والفيلم والقصص المصورة. هنا تظهر الرواية العابرة للوسائط بوصفها تحولا نوعياً في مفهوم السرد، حيث لا يعود العمل الأدبي وحدة مغلقة بل منظومة مفتوحة تتكامل عناصرها عبر منصات مختلفة.

هذا التحول يرتبط مباشرة بما وصفه هنري جينكنز في كتابه Convergence Culture بثقافة التقارب الإعلامي، إذ لم تعد الوسائط تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتداخل كما تتداخل التيارات في مصب واحد. القارئ لم يعد مستهلكاً للنص فحسب، بل مشاركاً في إنتاجه، يعبر من الرواية إلى اللعبة ثم يعود إلى الفيلم وهو يحمل معرفة إضافية تغير فهمه للحكاية الأصلية. وهكذا يصبح السرد تجربة ممتدة زمنياً ومكانياً.

الرواية التقليدية كانت تبني عالماً متخيلاً مكتفياً بذاته، أما الرواية المتعددة الوسائط فتتعامل مع العالم السردي بوصفه نظاماً إيكولوجياً؛ كل وسيط يمثل عضواً حياً فيه. فيلم يقدم زاوية، لعبة تكشف الخلفيات، كوميكس يضيء شخصية ثانوية، ومنصة رقمية تمنح الجمهور فرصة إعادة كتابة المصير. ما يحدث هنا ليس مجرد اقتباس، بل توسع سردي يخلق طبقات معنى لا يمكن الوصول إليها عبر وسيط واحد.

تجربة The Matrix تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فالأفلام لم تكن سوى العمود الفقري لعالم سردي امتد عبر ألعاب الفيديو وسلسلة الرسوم المتحركة Animatrix، حيث ظهرت أحداث وشخصيات لا تظهر في الفيلم، لكنها ضرورية لفهمه. هذه الاستراتيجية ليست تسويقاً فقط بل بناء معرفي، إذ يصبح المتلقي أشبه بعالم آثار يجمع القطع ليعيد تركيب الحضارة المفقودة.

وتشير ماري-لور ريان في دراساتها حول السرد الرقمي إلى أن النص لم يعد خطاً زمنياً بل شبكة احتمالات. القارئ يتنقل بين العقد السردية كما يتنقل المسافر في خريطة متشعبة، وقد يصل إلى نتائج مختلفة باختلاف المسار. هنا تقترب الرواية من طبيعة الألعاب، حيث التجربة أهم من النهاية. فالنهاية لم تعد خاتمة بل احتمالاً بين احتمالات.

هذا التغير أعاد تعريف المؤلف أيضاً. لم يعد الكاتب سيد النص الوحيد، بل مهندس عالم يضع القواعد العامة ويترك التفاصيل تتولد داخل الوسائط الأخرى. في روايات مثل The Witcher، تحولت الكتب إلى ألعاب ثم إلى مسلسل تلفزيوني، وكل وسيط أضاف طبقة دلالية جديدة أعادت تفسير النص الأصلي. العمل لم يفقد هويته، بل اكتسب تعددية الأصوات كما لو أنه كائن ينمو مع الزمن.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة ضمن تصور جانيت موراي في Hamlet on the Holodeck، حيث ترى أن السرد الرقمي يقترب من المسرح التفاعلي، لأن المتلقي لا يكتفي بالمشاهدة بل يعيش التجربة. الرواية العابرة للوسائط تحقق هذا التصور عملياً؛ القارئ يدخل العالم السردي ويترك أثراً فيه، ولو كان ذلك عبر مجتمع المعجبين الذي يكتب قصصاً موازية تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للنص.

في السياق الثقافي، تغيرت وظيفة القراءة نفسها. القراءة لم تعد فعل عزلة، بل ممارسة اجتماعية تشبه اللعب الجماعي. المنتديات، المنصات التفاعلية، والخرائط السردية التشاركية حولت العمل الأدبي إلى فضاء اجتماع افتراضي. هنا يصبح النص مركز تجمع وليس رسالة من طرف واحد.

غير أن هذا التحول يطرح أسئلة فلسفية حول حدود العمل الأدبي. إذا كانت الحكاية موزعة على منصات متعددة، فأين يبدأ النص وأين ينتهي؟ هل الرواية هي الكتاب أم العالم الذي يتشكل حوله؟ يبدو أن مفهوم “العمل المكتمل” يتلاشى ليحل محله “العمل الجاري”، نص دائم التكوين يشبه مدينة لا تتوقف عن البناء.

اقتصادياً، يرتبط هذا الاتجاه بصناعة الترفيه العالمية التي تبحث عن الاستمرارية بدلاً من الإنتاج المنفصل. لكن اختزاله في التسويق يظلم طبيعته الجمالية، فالرواية العابرة للوسائط تعيد السرد إلى جذوره الشفوية القديمة، حيث الحكاية تتناقل عبر وسائط متعددة: الصوت، الرسم، الأداء، والذاكرة. التقنية هنا لم تخلق الظاهرة بل أعادتها في شكل جديد.

اللافت أن هذا الشكل السردي يعيد الاعتبار للتأويل الفردي. القارئ الذي لم يشاهد الفيلم يقرأ الرواية بشكل مختلف، والذي لعب اللعبة يحمل تصوراً آخر للشخصيات. العمل الواحد يولد قراءات متعددة لأن المعرفة السردية لم تعد موحدة. وهكذا تتحول الرواية إلى فضاء احتمالات يشبه المتاهة، كل طريق فيها يقود إلى معنى.

في المحصلة، الرواية المتشعبة ليست مجرد امتداد تقني للأدب، بل تحوله الأنطولوجي. النص لم يعد موضوعاً يُقرأ، بل تجربة تُعاش. وبين الورق والشاشة والأكواد يتشكل أدب جديد يقف في منطقة بين الفن واللعبة، بين التأليف والمشاركة، بين الحكاية والعالم. إنه أدب لا يُغلق صفحته الأخيرة، لأنه ببساطة لم يعد يمتلك صفحة أخيرة.


0 التعليقات: