لم يعد الحديث عن حقوق الإنسان اليوم مجرد تقارير سنوية تصدرها المنظمات الدولية، بل صار أشبه بجردٍ أخلاقي لحالة العالم نفسه. فمن ضفاف المتوسط في المغرب العربي إلى ضفاف النيل، ومن حدود الشرق الأوسط المضطربة إلى مؤسسات بروكسيل، يتكرر السؤال ذاته: هل يتراجع القانون أمام السياسة أم العكس؟
الجواب في السنوات الأخيرة يميل إلى التعقيد، إذ تتجاور الإصلاحات القانونية مع انتهاكات صريحة، ويتعايش خطاب الحريات مع منطق الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
المغرب العربي: الأمن والهجرة يضغطان على الحريات
في الجزائر، لا يتعلق الجدل أساساً بنصوص الدستور بل بالمجال العمومي. فقد واصلت السلطات تضييقها على حرية التعبير والتجمع، حيث اعتُقل صحافيون ونشطاء بسبب عملهم الإعلامي، كما تراجعت مرتبة حرية الصحافة إلى 139 عالمياً سنة 2024 .
وتكشف التقارير الحقوقية أيضاً أن السلطات أبقت على قيود مشددة على المجتمع المدني وحرية التظاهر، في ما وصفته منظمات دولية بتآكل مستمر للحقوق الأساسية .
ومن أبرز الأمثلة الواقعية قضية اللاجئين الأفارقة، إذ جرى ترحيل أكثر من عشرين ألف مهاجر نحو حدود النيجر في عام واحد دون إجراءات فردية كافية .
هذا النوع من الترحيل الجماعي لا يُقرأ فقط كسياسة حدودية، بل كتحول نحو إدارة أمنية للهجرة على حساب الضمانات القانونية.
أما تونس، التي كانت توصف طويلاً بالاستثناء الديمقراطي بعد 2011، فقد شهدت تحولاً حاداً. فقد تصاعدت محاكمات المعارضين والصحافيين والنقابيين بتهم فضفاضة مرتبطة بالأمن أو “نشر أخبار كاذبة” .
وأُوقف أكثر من ثمانين شخصاً لأسباب سياسية أو بسبب التعبير عن آرائهم .
الأخطر هو ملف المهاجرين جنوب الصحراء؛ حيث تحدثت تقارير عن اعتقالات تعسفية وترحيل جماعي وعنف جسدي وحتى اعتداءات جنسية .
وقد أدانت منظمة العفو الدولية هذه الانتهاكات الواسعة سنة 2025 .
ومن الوقائع التي هزّت الرأي العام صدور حكم بالإعدام ضد مواطن بسبب منشورات فيسبوك اعتبرت مهينة للرئيس ، في مؤشر على تحول الفضاء الرقمي نفسه إلى ساحة مساءلة جنائية.
كما كشفت قضية تسليم اللاجئ السياسي الجزائري سليمان بوحفص من تونس إلى الجزائر عن تعاون أمني يتجاوز الضمانات الدولية للجوء .
مصر والشرق الأوسط: الدولة الأمنية في مواجهة المجتمع
في مصر، يتكرر النمط ذاته ولكن بحجم أكبر. فقد اعتُقل آلاف اللاجئين السودانيين ورُحّلوا قسراً رغم خطر إعادتهم إلى مناطق حرب، في خرق لمبدأ عدم الإعادة القسرية .
هذا المثال يُظهر أن قضايا اللاجئين أصبحت معياراً أساسياً لقياس احترام الحقوق، أكثر من الانتخابات أو النصوص القانونية.
وتشير تقارير دولية إلى أن الشراكات الاقتصادية والسياسية بين الاتحاد الأوروبي ومصر تثير انتقادات حقوقية، إذ تُمنح مساعدات مالية ضخمة رغم استمرار الانتهاكات .
وهنا يظهر التناقض العالمي: المصالح الاستراتيجية تتقدم غالباً على الاعتبارات الحقوقية.
وفي الشرق الأوسط الأوسع، وثقت الأمم المتحدة آلاف حالات الترهيب والانتقام ضد متعاونين مع آليات حقوق الإنسان ، كما جرى توثيق نحو 15 ألف انتهاك عالمي في عام واحد .
أي أن المسألة لم تعد حالات فردية، بل ظاهرة عابرة للأنظمة السياسية.
الاتحاد الأوروبي: الحقوق تحت ضغط الحدود والهجرة
قد يبدو الاتحاد الأوروبي بعيداً عن هذه الصورة، لكنه يعيش مفارقة مختلفة: ليس القمع المباشر بل تراجع المعايير تحت ضغط الهجرة.
فقد قرر تصنيف عدة دول “بلداناً آمنة” لتسريع رفض طلبات اللجوء ، وهو إجراء اعتبرته منظمات حقوقية خطراً على طالبي الحماية.
كما أُثير جدل حول التعاون مع تونس رغم الانتهاكات، إذ حذرت منظمات من احتمال التواطؤ عبر دعم سياسات ضبط الهجرة دون ضمانات حقوقية .
حتى محكمة العدل الأوروبية شددت على أن اعتبار دولة ما آمنة يجب أن يستند إلى أدلة حديثة وشاملة .
بهذا المعنى، انتقل النقاش الأوروبي من حماية الحقوق داخل القارة إلى منع وصول أصحابها إليها.
قراءة ختامية: عالم واحد بثلاث لغات للحقوق
إذا جمعنا الأمثلة السابقة يظهر نموذج ثلاثي:
-
في المغرب العربي: تضييق سياسي متزايد باسم الاستقرار.
-
في الشرق الأوسط: أولوية الأمن على القانون.
-
في أوروبا: أولوية الحدود على القيم.
الاختلاف ليس في وجود الانتهاك بل في مبرراته؛
فالدولة الوطنية تبرره بالسيادة، والدولة الأمنية تبرره بالحرب على الفوضى، والدولة الليبرالية تبرره بإدارة الهجرة.
هكذا تتحول حقوق الإنسان من معيار عالمي إلى معادلة نسبية:
ليست غائبة تماماً، لكنها لم تعد مطلقة.
والأمثلة الواقعية — من ترحيل اللاجئين الأفارقة في الجزائر، إلى محاكمة مدون تونسي بسبب منشور، إلى طرد لاجئين سودانيين في مصر، إلى تضييق اللجوء في أوروبا — تكشف أن العالم لم يدخل مرحلة ما بعد الحقوق، بل مرحلة إعادة تعريفها سياسياً.
إنها ليست أزمة نصوص…
بل أزمة أولويات.







0 التعليقات:
إرسال تعليق