الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 18، 2026

المغرب في مفترق التحولات الهادئة: عبده حقي

 


شهد المغرب خلال الأسبوع الأخير حركية متعددة الأبعاد تداخلت فيها السياسة بالاقتصاد بالمجتمع، في صورة أقرب إلى لوحة انتقال تدريجي أكثر منها قفزات مفاجئة. فالبلد لا يعيش لحظة أزمة صاخبة ولا لحظة ازدهار استثنائي منفصل عن الواقع، بل يعيش مرحلة إعادة ترتيب عميقة لمعادلات الدولة الاجتماعية والنمو الاقتصادي والإدارة الترابية، وهي عملية بطيئة بطبيعتها، لكنها واضحة في تفاصيل الأخبار اليومية الصغيرة التي تكشف اتجاهات كبرى.

سياسياً، برزت في الأيام الأخيرة عودة النقاش المحلي إلى الواجهة عبر الجدل الذي أثاره تدبير الشأن الحضري بمدينة الدار البيضاء، بعد انتقادات داخل المجلس الجماعي حول قرارات مرتبطة بالهدم والتعمير، وهو نقاش يعكس حيوية الحياة المحلية أكثر مما يعكس أزمة مؤسساتية، لأن جزءاً كبيراً من السياسة المغربية انتقل فعلاً من مستوى المركز إلى مستوى التدبير الترابي.
هذا النوع من الخلافات أصبح يمثل مدرسة ديمقراطية يومية، حيث لم يعد الخلاف يدور حول شرعية المؤسسات، بل حول جودة القرار العمومي، وهي مرحلة غالباً ما تمر بها الدول التي ترسخ اللامركزية.

وفي السياق نفسه، برز حدث ذو دلالة اجتماعية وسياسية معاً: تعليق إضراب المحامين بعد اتفاق مع الحكومة، وهو مثال حي على آلية التفاوض المؤسساتي بدل منطق التصعيد، ويعكس انتقال الاحتجاج من الشارع إلى طاولة الحوار.
الرسالة هنا ليست فقط تهدئة قطاع مهني حساس، بل تكريس نموذج تدبير النزاعات عبر الوساطة القانونية، وهو عنصر أساسي في بناء دولة الحق.

كما شهد الأسبوع تجدد النقاش العمومي حول “الساعة القانونية”، وهو نقاش يبدو تقنياً لكنه يحمل بعداً مجتمعياً عميقاً، لأن المغاربة يناقشون أثر الزمن الإداري على الحياة اليومية والصحة والتعليم، أي أنهم يناقشون جودة العيش وليس فقط القرارات الحكومية.
إن انتقال النقاش من السياسة الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية دليل على تحول الوعي الاجتماعي نحو مطالب أكثر نوعية.

اقتصادياً، جاءت أبرز المؤشرات من المؤسسات الدولية التي أكدت استمرار نمو الاقتصاد المغربي. فقد توقع صندوق النقد الدولي استمرار الزخم الاقتصادي سنة 2026 مدفوعاً بالاستثمار العام والخاص والقطاع الفلاحي.
وبلغة الأرقام، يتوقع أن يبلغ النمو حوالي 4.9%، وهو معدل يضع المغرب ضمن الاقتصادات المستقرة نسبياً في المنطقة.

لكن الأهم ليس الرقم نفسه، بل مصدره:
الاستثمار والبناء والخدمات والفلاحة معاً، ما يعني أن النمو لم يعد أحادي القطاع بل متنوعاً، وهي سمة الاقتصادات التي خرجت من مرحلة الهشاشة الدورية.

وقد دعمت الأمطار الأخيرة هذا التوجه، إذ تشير التوقعات إلى انتعاش القطاع الفلاحي وزيادة الإنتاج، وهو عامل حاسم في اقتصاد ما زال يعتمد على التوازن المناخي في جزء من نموه.

إلى جانب ذلك، برزت مؤشرات مالية إيجابية، إذ ارتفعت عائدات الضرائب إلى 24.6% من الناتج الداخلي بفضل إصلاحات ضريبية وإدارية.
وهذا يعني عملياً توسع قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية دون الاعتماد المفرط على الاقتراض.

ومع ذلك، لم يغب الاقتراض عن المشهد، فقد حصل المغرب على تمويل دولي بنحو 665 مليون يورو لدعم الحماية الاجتماعية والمناخ والتنمية الاقتصادية.
الفرق هنا أن الاقتراض لم يعد لتغطية العجز الجاري، بل للاستثمار في التحول الاجتماعي والبيئي، وهو ما يغير طبيعة الدين من عبء إلى أداة تنمية.

كما أشارت تقارير مالية إلى أن البنوك المغربية تستعد لتوسيع الإقراض للشركات مع مشاريع البنية التحتية الكبرى، ما يعني انتقال الاقتصاد إلى مرحلة تسريع الاستثمار الإنتاجي.

اجتماعياً، تتقاطع هذه المؤشرات الاقتصادية مع تحولات ديمغرافية عميقة. فقد تراجع النمو السكاني إلى أقل من 1% واقترب المجتمع المغربي من نمط الدول المتقدمة من حيث الخصوبة والشيخوخة.
وهذا التغير يفسر تركيز السياسات العمومية على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية بدل التركيز فقط على التشغيل الكمي.

وفي هذا الإطار، واصل المغرب توسيع التغطية الصحية التي تجاوزت 80% من السكان، ضمن إصلاحات اجتماعية واسعة لمواجهة الضغوط الاقتصادية.

كما أطلقت المندوبية السامية للتخطيط دراسة وطنية حول الترابط بين الماء والطاقة والغذاء، في خطوة تعكس انتقال التخطيط من رد الفعل إلى الاستباق، خاصة في ظل تحديات المناخ.

وعلى المستوى المجتمعي، تظهر التقارير أن أكبر تحديات المستقبل ليست سياسية بل اجتماعية، مثل البطالة وهشاشة سوق الشغل.
وهو ما يفسر تركيز السياسات الأخيرة على الإدماج الاجتماعي بدل الاكتفاء بالنمو الاقتصادي المجرد.

اللافت أن هذه الأحداث المتفرقة تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة: جدل بلدي، اتفاق مهني، توقعات اقتصادية، أمطار، دراسة ديمغرافية، نقاش حول التوقيت… لكنها في الواقع تعبر عن تحول بنيوي واحد:
انتقال المغرب من دولة تدبير الأزمات إلى دولة إدارة التحولات.

فالسياسة أصبحت محلية وتفاوضية،
والاقتصاد أصبح استثمارياً طويل المدى،
والمجتمع أصبح يناقش جودة الحياة لا فقط القدرة على العيش.

هذا النوع من التحول لا يظهر في قرار واحد ولا في خطاب رسمي واحد، بل في تراكم تفاصيل صغيرة خلال أسبوع عادي.
أسبوع بلا قرارات كبرى، لكنه مليء بإشارات عميقة.

إن قراءة هذه الأحداث مجتمعة توحي بأن المغرب يدخل مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار الديناميكي: لا جمود ولا قفزات، بل حركة هادئة نحو نموذج تنموي يوازن بين الدولة الاجتماعية والاقتصاد المفتوح.

وفي عالم إقليمي مضطرب، يصبح أهم حدث أحياناً هو غياب الحدث الكبير، لأن الاستمرارية نفسها تتحول إلى خبر.


0 التعليقات: