الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 18، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة في العالم العربي (حي بن يقظان ) عبده حقي


هل يمكن لإنسان أن يتعلّم كل شيء دون مدرسة، دون مجتمع، دون معلّم، بل حتى دون لغة في البداية؟

هذا السؤال العجيب هو قلب كتاب «حيّ بن يقظان» للفيلسوف الأندلسي الكبير ابن طفيل. وهو ليس مجرد قصة، بل تجربة فكرية ممتعة تشبه فيلمًا فلسفيًا سابقًا لعصره بقرون طويلة.

الكتاب كُتب في القرن الثاني عشر، أي قبل حوالي تسعمائة سنة، ومع ذلك ستشعر وأنت تقرأه كأنه يناقش أسئلة الإنسان اليوم: من أنا؟ كيف أعرف الحقيقة؟ هل العقل يكفي؟ وما علاقة العلم بالإيمان؟

القصة تبدأ في جزيرة منعزلة تمامًا عن البشر. لا مدينة، لا قرية، لا أصوات إلا الريح والبحر والحيوانات. وفي هذه الجزيرة يظهر طفل صغير اسمه حيّ.

هناك روايتان لظهوره:
الأولى تقول إنه وُلد طبيعيًا من طين الأرض بفعل الطبيعة.
والثانية تقول إن أمه وضعته في صندوق وأرسلته عبر البحر خوفًا عليه، فوصل الجزيرة.

ابن طفيل لا يهمه أي الروايتين صحيحة… المهم أن حيّ نشأ بلا مجتمع.

تقوم بتربيته ظبية (غزالة) ترضعه وتحميه، فيعيش سنواته الأولى مثل الحيوانات: يمشي، يأكل، يقلد الأصوات، ولا يعرف أنه مختلف عنها.

لكن هنا يبدأ سحر القصة.

حيّ لا يبقى حيوانًا… بل يبدأ العقل بالاستيقاظ.

يلاحظ أن الحيوانات تملك فروًا يحميها وهو لا يملك.
فيصنع لباسًا من أوراق الشجر.

يرى أن لها مخالب وأسنانًا قوية وهو ضعيف.
فيصنع أدوات من الحجارة.

يرى النار لأول مرة فيخاف… ثم يقترب… ثم يجرّب… ثم يفهم أنها مصدر حرارة وطاقة.

هنا نرى أول درس في الكتاب:
الإنسان يتعلم بالتجربة لا بالحفظ.

يكبر حيّ، ويحدث الحدث الكبير: تموت الظبية التي ربته.
يحزن عليها بشدة… لكنها أول مرة يرى فيها الموت.

يتساءل: لماذا كانت تتحرك وتوقفت؟ أين ذهبت؟

بدافع الفضول يشق صدرها ليفهم. يكتشف القلب.
ويصل إلى فكرة مذهلة:
الجسد موجود لكن الحياة غادرت.

إذن هناك شيء غير مرئي هو سر الحياة.

من هنا يبدأ حيّ رحلته الفلسفية.
يلاحظ الطبيعة: الليل والنهار، النجوم، القمر، الفصول، حركة البحر.

ويستنتج أن كل شيء منظم… وكل نظام يحتاج منظمًا.

وبدون أن يقرأ كتابًا أو يسمع نبيًا يصل بعقله إلى فكرة وجود خالق للكون.

ابن طفيل يريد أن يقول:
العقل الصافي يمكن أن يقود إلى الإيمان.

لكن القصة لا تتوقف هنا.

بعد سنوات طويلة يصل إلى الجزيرة إنسان اسمه أبصال.
هو رجل متدين جاء ليعبد الله في عزلة بعيدًا عن الناس.

يلتقي الاثنان… وهنا المفاجأة:
حيّ عرف الحقيقة بالعقل،
وأبصال عرفها بالدين.

يتحاوران… فيكتشفان أن الطريقين يصلان لنفس النتيجة.

لكن عندما يذهبان إلى مجتمع البشر لنشر الحكمة، يفشلان.
الناس لم يفهموا كلام حيّ… لأنهم اعتادوا التقليد لا التفكير.

فيعود حيّ إلى عزلته مقتنعًا بأن الحقيقة العميقة لا يفهمها الجميع.

الكتاب إذن ليس قصة مغامرة فقط، بل يناقش أفكارًا كبيرة:

أن الإنسان يولد صفحة بيضاء
وأن المعرفة تبدأ بالحواس
ثم التجربة
ثم العقل
ثم التأمل
ثم الإيمان

وهذه الفكرة أثرت لاحقًا في فلاسفة أوروبا، بل يعتبر بعض الباحثين أن القصة ألهمت رواية روبنسون كروزو الشهيرة.

أجمل ما في «حيّ بن يقظان» أنه يجعلك تفكر في نفسك:
كم من أفكارك جاءت لأنك تعلمتها… وكم منها فكرت فيها بنفسك؟

الكتاب يدعونا لاستخدام العقل دون خوف، ويؤكد أن العلم لا يعارض الإيمان بل يقود إليه.

لهذا ظل حيّ بن يقظان حيًا في الثقافة الإنسانية: لأنه ليس بطلًا خارقًا، بل عقلًا يبحث.

وفي زمن اليوم، حيث المعلومات كثيرة والتفكير قليل، تبدو رسالة ابن طفيل أكثر أهمية:
ليس المهم أن تعرف… المهم أن تفهم.

وهكذا، في جزيرة خيالية قبل قرون، كتب فيلسوف أندلسي قصة طفل وحيد… لكنها في الحقيقة قصة كل إنسان يحاول أن يفهم العالم بنفسه.



0 التعليقات: