الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 18، 2026

دولة الأزمات المفتوحة على كل الجبهات: عبده حقي

 


في لحظةٍ تاريخية تبدو فيها الدول المستقرة منشغلة ببناء اقتصاد المعرفة وتعزيز الشراكات الإقليمية، تبدو الجزائر عالقة في معركةٍ مع الأشباح التي تصنعها بنفسها. فالمشهد السياسي الجزائري لم يعد مجرد صراع داخلي بين سلطة ومعارضة، بل تحوّل إلى شبكة أزمات تمتد من باريس إلى واشنطن، ومن الساحل الإفريقي إلى الفضاء الرقمي، حيث يختلط الأمني بالدبلوماسي والاقتصادي في لوحة واحدة عنوانها الارتباك المزمن.

أول هذه الأعراض يظهر في قضية ما يُعرف بـ “أمير ديزاد”، التي لم تعد مجرد ملف إعلامي أو قضائي، بل تحولت إلى عقدة سياسية تكشف هشاشة النظام أمام الفضاء المفتوح. فالسلطة التي بنت مشروعها على احتكار الرواية الرسمية وجدت نفسها في مواجهة فرد واحد خارج الحدود، لكنه قادر على إرباكها أكثر من أحزاب داخلية كاملة. هنا يتجلى التناقض الكبير: دولة بأجهزة ضخمة وإمكانات مالية هائلة تقف مرتبكة أمام هاتف ذكي وحساب على الإنترنت.

هذه القضية لم تعد تخص شخصاً بعينه، بل أصبحت مرآة لعلاقة متوترة بين الجزائر وفرنسا. إذ إن متابعة المعارضين خارج الحدود تحولت إلى عبء دبلوماسي دائم، يضع باريس في موقع الحرج ويكشف عقلية سياسية لم تستوعب بعد أن العالم تغيّر، وأن النفوذ لم يعد يقاس بالملاحقة الأمنية بل بالثقة السياسية. والنتيجة أن كل حادثة تتحول إلى أزمة سيادية جديدة، تزيد من عزلة الجزائر بدل أن تحمي صورتها.

وفي الوقت الذي تتضخم فيه الأزمات السياسية، تحاول السلطة تقديم مشاريع الطاقة كبديل عن الإصلاح الحقيقي. الإعلان عن مشروع “كافرا” في النيجر مثال واضح على ذلك. فبدلاً من تطوير الاقتصاد الداخلي المتنوع، ما تزال الدولة تراهن على نفس الوصفة القديمة: تصدير الغاز والبحث عن حقول جديدة خارج الحدود لتعويض عجز الداخل.

لكن هذا التوجه يحمل مفارقة خطيرة. فالجزائر التي تعاني بطالة مرتفعة ونقص الاستثمار الصناعي، تستثمر في بيئة جيوسياسية شديدة الاضطراب في الساحل الإفريقي. أي أن الدولة تفضل المغامرة الخارجية على الإصلاح الداخلي. والسبب بسيط: الاقتصاد المنتج يحتاج شفافية ومؤسسات مستقلة، بينما الاقتصاد الريعي يسمح باستمرار النظام نفسه دون تغيير.

وفي خلفية هذه السياسة، يظهر الوجه الحقيقي للدبلوماسية الجزائرية المتذبذبة. فالعلاقة مع فرنسا تعيش دورات توتر وتهدئة متكررة، أشبه بحالة عاطفية مضطربة أكثر منها سياسة دولة. مرة تُرفع الشعارات العدائية، ومرة يُمنح الضوء الأخضر لإعادة الدفء، دون أن يفهم المواطن الجزائري لماذا تغيّر الموقف بين ليلة وضحاها.

هذه التقلبات ليست استراتيجية تفاوض كما يُروج، بل دليل غياب الرؤية. الدولة التي تعتمد خطاباً ثورياً للاستهلاك الداخلي تضطر لاحقاً إلى التراجع لتجنب العزلة الدولية. وهكذا تتحول السياسة الخارجية إلى عملية ترميم مستمرة لأضرار الخطاب الداخلي.

الأمر نفسه يتكرر في العلاقة مع الولايات المتحدة. فالتوترات التي ظهرت في السنوات الأخيرة لم تكن نتيجة خلافات كبرى بقدر ما كانت نتيجة ارتباك في تحديد الموقع الدولي للجزائر. هل هي حليف للغرب؟ أم جزء من محور مناهض له؟ أم لاعب محايد؟ السلطة تريد كل الأدوار في آن واحد، والنتيجة أنها تفقد الثقة من الجميع.

وهنا تتجلى المشكلة الجوهرية: النظام السياسي الجزائري ما يزال يعيش بعقلية الحرب الباردة في عالم متعدد الأقطاب. يعتمد خطاب السيادة المطلقة لكنه يحتاج الشراكات الاقتصادية، يهاجم القوى الغربية إعلامياً لكنه يبحث عن رضاها دبلوماسياً، يرفع شعار عدم التدخل لكنه يتدخل في نزاعات إقليمية. هذا التناقض هو ما يصنع الأزمات المتتالية.

إن تتابع هذه الملفات ـ من قضية المعارضين في الخارج، إلى مشاريع الطاقة خارج الحدود، إلى التقلبات مع باريس وواشنطن ـ يكشف أن المشكلة ليست في حادثة أو قرار، بل في بنية الحكم نفسها. فالدولة التي لم تُحدّث مؤسساتها منذ عقود تجد نفسها عاجزة عن التعامل مع عالم سريع التغير.

المواطن الجزائري يدفع ثمن هذا الارتباك. فبدلاً من التركيز على التنمية والاقتصاد والتعليم، يجد بلاده حاضرة في الأخبار عبر الأزمات الدبلوماسية والصراعات الإعلامية. وبمرور الوقت، تتحول السياسة الخارجية من وسيلة لحماية المصالح الوطنية إلى أداة لتغطية الاختلالات الداخلية.

لهذا تبدو الجزائر اليوم دولة تتحرك بردود الأفعال أكثر مما تصنع الأحداث. كل أزمة تُطفأ مؤقتاً لتظهر أخرى، وكل خطاب تصعيدي يتبعه تراجع صامت. إنها دائرة مغلقة لا يمكن كسرها إلا بإصلاح سياسي حقيقي يعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع وبالعالم.

لكن ما دام القرار السياسي محتجزاً داخل منطق أمني قديم، ستظل الأزمات تتكاثر، وسيبقى النظام يطارد أشباحه عبر الحدود بدل أن يواجه واقعه داخلها. وفي السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس وجود خصوم، بل أن تتحول هي نفسها إلى أكبر خصم لمستقبلها.


0 التعليقات: